بسم الله الرحمن الرحيم
من مدارات الحياة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.




(١)
يقول أهل اللغة المَحْزُونُ أكثر جزعاً وأعظم مصيبةً من الحَزِينُ. فالحَزِينُ ينتابه الحُزْنُ لفترة قد تطول أو تقصر ثم يرحل الحُزنُ عنه. أما المحَزُونُ فيستوطنه الحزنُ ويجري في عروقه ويتخذُ من قلبه سكناً، ولا ينفكُ عنه أبداً، فترى اثر ذلك على وجهه وينزوي التبسم من أساريره إلا لماماً.
النيل الأبيض حزين وأنا علي الكنزيُ محزُونٌ لفراق خليل فرج الله مصطفى حسن، فقد غيبَ الموتُ توأم الروح، وولى مدبراً ولن يُعقبْ. فلن تر عيني ظل ذو القلب السليم، والوجه الضحوك الذي لو التقى بك في اليوم مثنى وثلاث ورباع لتلقاك بوجه طلق، تعلوه الابتسامة، حتى تظن أنكما التقيتما بعد فراق دام أمداً.
بفقده ترملت قرية الشوال التي وضواحيها وولاية النيل الأبيض وسهولها وروابيها، فقد عرفته منذُ أن كان في المهد صبياً، إلى أن علا الشيب رأسه. َألِفهُ الناس والشجر والمضر والطير الصافات في سماء الريف ما يمسكهن إلا الرحمن. أنسته دابة الأرض سامها وهامها، وتماسيح النيل وفرس البحر. أما النيل فعشق خليل فقد شاركه في صفتين، العذوبة والجريان بما ينفع الناس فيمكثُ في الأرض. فقد كان شديد الحرص بأن تروي مياهه أراضي مشروع الشوال والقرى المجاورة ليأكل الناسُ والأنعامُ مما تنبتُ من بَقْلِها وقثائها وفُومِها وعَدَسِها وبصلها وذرتها. فخليل كالسحابة حيثما أمطر عم خيره.
(٢)
عند وصول النيل الأبيض لقرية الشوال تصيرُ له حدبةً كسنام البعير، فتعتليه منازل القرية المتعددة القبائل والأجناس فتصبح منازل القرية كالهودج على سنام النيل. فمن الناحية الشمالية الشرقية للقرية يقطنُ الحسانية الممتهنون لحرفة الرعي وحب النيل وصيد أسماكه. أما من الناحية الشمالية الغربية تجد المحس والدناقلة والجعليين. وإن توجهت شمالاً شطر الكوة والكنوز فستمر بحي العشرياب المتميزون بالصوت الجهوري والبشرة المائلة للصفرة والعيون العسلية الزرقاء التي تخفي من ورائها ذكاء ودهاء وحبٌ للرئاسة والسلطة والزعامة، ربما يرجع ذلك لتَأثُرِهم بجينات أجدادهم الأتراك الذين قدموا للسودان أهل سلطان وسطوة.
أما جنوبها الشرقي فيقطن الفلاتة والهوسا القادمون من غرب أفريقيا. وإن اتجهت لأقصى جنوبها تجد النوير والشلك، ولكن قبل أن تصل لدارهم تمر بحي الحربياب المنحدرون من القبائل العربية القادمة من مصر. تعقبها أحياء بيوت من قبائل غرب السودان قدموا من دارفور وكردفان (بني هلبة رزيقات مسيرية تعايشة مساليت تاما وميما)، استجابة لنداء الإمام عبدالرحمن المهدي طيب الله ثراه. وجعلوا من الجزيرة أبا والقرى المجاورة ومنها الشوال، موطناً لهم؟
وسط هذا الجمع من القبائل والأجناس تجد أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، من اليمانية القادمون من بلاد اليمن، والصعايدة من صعيد مصر. وهؤلاء تفرقوا في أحياء الشوال حيثما أتفق وتزوجوا من نسائها. أما شرق السوق مباشرة فيقع حي الزهناب، وهم أصحاب العمودية وأصهار الإمام عبدالرحمن المهدي، وخولة ابنه الإمام الهادي المهدي، الذي تزوج ببنت خاله فاطمة الصادق مصطفى حسن. وفرج الله مصطفى حسن والد خليل خال الإمام الهادي المهدي وعم زوجته فاطمة، رحمة الله عليهم جميعاً.
(٣)
هذا التنوع من الأجناس والقبائل ما أظنه اجتمع لقرية غير الشوال. فجميع هؤلاء كانوا لخليل أحبة وإخوة، لا فضل لأحد على أحد، كبيرهم على صغيرهم، ولا لامرأة على رجل. فكل من كان في معيته يشعر أن خليلاً هذا أكثر قرباً إليه نفسياً ووجدانياً من كل من حوله من الأصدقاء والمعارف. هذا سحر خليل وتفرده وتميزه. لهذا أحبَه الناس، وعرفوا أن شخصيته ترتكز على قيم إنسانية رفيعة لا تجتمع إلا للقادة العظام. فما قَدِم عليهم يوماً في مجلسهم إلا أفسحوا له وهللوا لقدومه، فتراه غير متأففٍ أو متعففٍ من الجلوس معهم فلو كانوا على التراب تتربَ.
إن جالست خليل فسيسعدك مجلسه، وإن فارقك لن تودعه إلا بعد أن يضرب لك موعداً. فأي مجلس يكون فيه لا يُذْكرُ أحد بسوء غائباً كان أم حاضراً. ففي مجلسه لا تسمع إلا الحديث الحلو حتى لتحسبه عسلاً مصفىً تكاد أن تتذوقه الشفاه. ففي حديثه الطرفة والملاحة والحكمة والعلم والمودة والاجتماع. إن لقيته فإذا أنت أمام امرئ لفرط تواضعه تحسبُ أن ليس له من مندوحة إلا بياض ثوبه. فما خرج خليل من بيته إلا بهندام كامل، ثوبٍ أبيضٍ نظيفٍ وحذاءٍ (فاشري) وعمامة ملفوفة على الرأس بعناية تزيده بهاءً ووقاراً، على بنية ربانية فيها بسطة في الخَلقْ والأخلاق. إن تكلم تخرجُ كلماته درراً وحكماً، وإن أبدى رأياً لا يبزه في المجلس رأي، فما أنبرى لقضية إلا اهتدى الناس برأيه خاصة في مجالس شئون تنمية الريف والصلح فيما شَجَرَ بين القبائل والأفراد والأسر. فكأني بالأعشى وهو يرثي أخاه فكأنه يرثي خليلاً وهو يقول:
أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
من ليس في خيره شر يكدره إلى الصديق ولا في صفوه كدر
لا يصعب الأمر إلا حيث يركبه وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر
(٤)
خليل لم يكُن ريفيٌ تقوقع في البوادي بل كان ريفيٌ نشأ وسط أسرة تنشدُ الرقي والقيم الفاضلة. تقيم أسرته في بيت تصل مساحته لما يزيد عن ثلاث ألف متر مربع. ينقسم البيت لثلاث مواقع متباعدة عن بعضها. فالأول حيث بيت الأسرة والمجلس الخاص، وله مدخل من الناحية الجنوبية، يولج منه الخاصة من ذوي القربى والأصدقاء. ومجلس فخيم ثاني منفصل (ديوان) له باب من الناحية الشمالية خصص للضيوف والزوار. أما البيت الثالث فيقع بين الاثنين ليصنع مثلثاً منفرج الزاوية، حيث يُطهى الطعام وتلتقي الأسرة في نهارها.
تحف البيت حديقة ذات بهجة تسقى من عين جارية، فيها أشجار مثمرة للموز والجوافة والبرتقال والليمون، تتخللها أشجار زينة وظل ترتقي علواً في السماء حتى تكاد أن تعانق السحب فيراها الراكب قبل دخول القرية.
في بيئة مثل هذه ليس بمستغرب أن يكون الطير صديقٌ لخليل ولداره، فقد أمن نفسه وصغاره فباض وأفرخ، حتى صارت حديقة بيتهم منتجعاً للطيور المهاجرة التي تقصدها في مواسم الخريف متخذة من أشجارها وكراً وبيوتاً لتستريح وتتوالد. ساهمت هذه البيئة في تكوين وجدان خليل وجعلته صاحب روح كلها رقة ورأفة ورحمة، وإحساس مرهف، وقلب متسامح مع نفسه وغيره من الأمم. بقولي: (غيره من الأمم) أرمي لمخلوقات الله التي تعايش معها في بيئته، فتركت أثراً عظيماً في نفسه. لهذا أٌرْجَعُ هجرة خليل نحو دول الشمال، لتأثره وهو في مرحلة الصبا بتلك الطيور المهاجرة التي كانت تأتيهم في خريف كل عام من دول الشمال، مما جعل روحه تتعلق بالهجرة والاغتراب نحو الجهة التي تأتي منها تلكم الطيور. والبيئة التي نشأ فيها ولدت فيه روح فنان وشاعر. فمارس الرسم بالريشة وقلم الرصاص حتى صارت له بصمة واضحة لا تخطئها العين، ولو وجدتْ أعماله التواصل والترويج لكان له شأن في الفن التشكيلي، ولأصبح عضواً فاعلاً ومؤسساً في "مدرسة الخرطوم" التي أسسها الأستاذ إبراهيم الصلحي وآخرون في الستينات من القرن الماضي.
كان خليل مثقفاً موسوعياً، لكنه لم يكتسب ثقافته الموسوعية تلك من التعليم النظامي والإطلاع في بطون الكتب فحسب، بل من ممارسته اليومية للحياة ومعايشته لإنسان الريف وطرحه للأفكار والحلول المرتبطة ببيئته. تلك البيئة التي شكلت وجدانه وجعلت منه مثقفاً غير منون بفكره أو مروج لذاته "نرجسية الأنا". وكثيراً ما تعمد أن يُلْبِسْ نجاحاته وأفكاره المرتبطة بقضايا الريف لغيره ليهللوا بها.
كان ذواقاً يطرب للنغم وللكلمة وللشعر الحديث، وكثيراً ما يغرضه في مجالسه الخاصة. فقد حفظ الكثير من أشعار نزار قباني وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإيليا أبوماضي والتيجاني يوسف بشير وإدريس جماع والطيب العباسي وغيرهم من الشعراء.
(٥)
طلب العلم يافعاً فأكمل دراسته الأولية بمدرسة الشوال، ثم الوسطى بالمدرسة الأهلية بكوستي، وكان من الصفوة التي وجدت موقعاً في الخمسينات من القرن الماضي بحنتوب الثانوية. ثم هاجر لطلب العلم في القاهرة والتحق بكلية الطب جامعة عين شمس. وأثناء دراسته تزوج بالسيدة الفضلى نعمات أحمد عبدالرحمن، من نساء الإسكندرية، وهي أم عياله. لم تتردد نعمات هذه في اللحاق به والعيش معه في قرية الشوال، وهي تقول بلسان المتنبئ:
ومِثْلُك يُؤتى من بلاد بعيدة ليضحك قلب ربات البيوت البواكيا. ولسان حالها يردد: " يا ظاعنين بقلبي أينما رحلوا، ويا نازلين بقلبي حيثما نزلوا"، فمنازل خليل هي قلوب كل من عرفه. فمثل خليل يُهاجر إليه ويُهْجَرْ كل ما يحول دون اللقاء والبقاء معه.
السيدة نعمات الآن مواطنة سودانية كامل الدسم كما نقول. تمشط شعرها، و(تعوس) الكسرة، وتصنع (الآبري) في رمضان، وتصل رحمها في مصر، وتتواصل مع أهل الشوال في أفراحهم وأتراحهم، وما أوقدت ناراً إلا كان للضيف مكاناً في مائدتها، لأن خليل لا يأكل وحده، كما هي لا تقبل بأن يأكل وحده. إنها امرأة من عالم أخر تستحق أن تستعرض سيرتها في أكثر من مقال، فقد كانت لخليل كالماء والهواء، وكان بها حفياً.
درس الطب حتى السنة الرابعة ثم هاجر لألمانيا لسبب نجهله، ربما تابع صدى صوت الطيور المهاجرة. كان ذلك في أوائل الستينات من القرن الماضي، وبقى هناك لأربع سنوات حتى وفاة أبيه فرج الله مصطفى حسن، وعاد إلى السودان والتصق بالشوال وبدل ثوبه الذي كان يتزين به (البدلة الكاملة والكرفتة والقميص والبنطلون والجزمة الاسكوب)، فانتعل المركوب وتتدثر بالجلباب ولبس العمامة. وهجر المدينة وما يُقْرِبُ إليها من قول أو عمل، لكنه لم يِهْجُر التمدن والتحضر، وجعل من تنمية الريف رسالته في الحياة. فكان له باع في الزراعة والبيئة والصحة، وطول ذراع في التعليم ومياه الشرب.
(٦)
في الستينات من القرن الماضي جاءت بعثة ألمانية واختارت الشوال موقعاً لإقامتها لأشهر أجرت خلالها أبحاثاً جولوجية ترمي لإثبات أن النيل الأبيض أنحسر كثيراً عن مجراه. بحثوا عن من يعينهم في مهمتهم ونقل رسالتهم للمجتمع المحلي والمسئولين، فكان خليل يعينهم في الترجمة للغة الإنجليزية التي يتحدثها بطلاقة أهلها، وعندما علم أنهم ألمان أنقلب لسانه للغة (غوته) فلم يصدق الألمان أن صاحب العمامة هذا يُتقنُ لغتين بجانب لغته الأم وتعجبوا لبقائه في الريف الذي مكث فيه حتى وافاه الأجل المحتوم بعد رحلة علاج لكندا عاد منها إلى الوطن بصبر وإيمان وجلد ممتثلاً لأمر ربه، ومتجاوباً مع نصيحة الطبيب الذي صارحه بأن يعود لبلاده لأن أيامه في الحياة قصرت.
صعدت روحه لبارئها بعد أيام قلائل من عودته من كندا، وأذان المغرب ينادي على الصائمين أن أمسكوا عن الصيام وبللوا العروق ليثبت الأجر. كان ذلك في أفضل يوم من أيام الله. فيه خُلِقَ أدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فيه. إنه يوم الجمعة الذي وافق الثامن من رمضان 1433 هجرية السابع والعشرون من يوليو 2012.
فيا من أحببتُ وأحَبَكَ النيل وغيري بصدق ووجد، عَضضتُ بناني أسفاً لتغيبي عن وداعك، فكان حالي كحال المتنبئ، فكلانا كان غائباً ساعة احتضار من نحب ونرضى:
فَوَا أسَفا ألاّ أُكِبَّ مُقَبِّلاً لرَأسِكِ والصّدْرِ الّذَيْ مُلِئا حزْمَا
وألاّ أُلاقي روحَكِ الطّيّبَ الذي كأنّ ذكيّ المِسكِ كانَ له جسمَا ها هي العينُ تدمع والقلبُ يتصدع حُزْنَاً لفراقك، ولكن لا نقول إلا ما يرضي من بيده ملكوت السموات والأرض، وندعوه أن يغفر لك ويدخلك جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. فقد كنتَ مسارعاً لمغفرة ربك وسابقاً بالخيرات لخدمة عيال الله. الم يقل الرحمة المهداة فيك وأمثالك: " الخلقُ عيالُ الله أحبكم إلى الله أنفعكم لعياله" فقد كنتَ انفعُ الناسِ للناسِ.
خليل: إني أحبك واستودعك رب رحيم عفو غفور لنلتقي إن شاء الله على الحوض أنت وأنا والهادي ووالديَ ووالديك لنشربُ من يد الرحمة المهداة شربة لن نظمأ من بعدها أبداً. وإلى ذلك اليوم اسأل الله الصبر على فراقك الذي جعل للريف وحشة، وللشوال توحشاً، وللنيل حزن حتى كدر ماءه، فأصبحت الحياة بدونك موحشة، فقد كنتَ لنا شمساً وظلاً وسحابة يا ذو القلب السليم.