الله الرحمن الرحيم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1-2

في أول مقال تشرفتُ بالكتابة فيه بجريدة الأحداث في يوم الخميس الماضي، كان بعنوان (الله والإنسان إستيف جوبز). استعرض المقال أربع مسارات قد تتقاطع كلها أو بعض منها لتلتقي عند إنسان واحد، أو ربما تمضي متوازية تسير على إنفراد دون التقاء. كل مسار منها يستحق وقفة وتفكر. لذا علي أن أحزم أمري وأقف عند بعضها إن تعذر كلها.
المسار الأول: كان عن الله والإنسان (إستيف جوبز)، ذلك الإنسان الذي شهد في عالم الذر لله بالوحدانية، وأن الله رب العالمين، سورة الأعراف آية 172 (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين). فمن آمن بوحدانية الله في عالم الوجود، أي في هذه الحياة الدنيا، فهو يسترد ويستعيد ما شهد به وشاهده في عالم الذر. لذا فالإيمان بالله مخبوء بحجاب الغفلة في دواخل كل إنسان منا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: " الناسُ نيامٌ فإذا ما ماتوا انتبهوا؟" فالسعيد من الناس من يسترد تلك الشهادة، والشقي منهم من لا ينقشع عن قلبه حجاب الغفلة، الذي يصبح كالصدأ ويرين على قلبه حتى يلقى ربه وهو خاسر (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، سورة المطففين آية 14.
ثم أنضم لشهادة الإنسان هذه كل نفس وقلب رطب، فالخلقُ جميعاً يشهدوا لله بالربوبية، وكل يسبح بحمده (... وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الآية 44 من سورة الإسراء. ثم تأتي الآية 18 من سورة الحج (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ...). فالآية الأولى شهادةٌ لله بالربوبية في عالم الذر كما قلنا، والثانية تؤكد أن جميع هذه الموجودات والمخلوقات تقر بوحدانية الله وحاجتها لرب العالمين، فتسبحه وتنزهه عن كل شريك. أما الآية الثالثة فتشير إلى سجود التكوين، وهو سجود أزلي عند أكثر المخلوقات إلا الإنس والجن. والسجود هو أرقى مظاهر التَعَبُدٍ لله رب العالمين، ففيه التذلل والانقياد.
هذا بعدٌ فلسفي بضاعتي فيه مزجاة، وعلمي فيه قليل، ولكن رغم قلة الزاد ومشقة الطريق فسأجتهد في إفراد مقالٍ عن الله والإنسان. وليعلم قارئ العزيز أن هدفي من مقالي هذا واللاحقاتُ بعده، ما هي إلا تساؤل ودعوة للتفكر والتأمل، أكثر من أن يكون سعياً لإعطاء حقائق أو نتائج توصلتُ إليها. وهذا هو الأرجح في أغلب كتاباتي التي لا تعطي إجابة شافية ولا حقائق كاملة، خاصة وأن الحقيقة لا يملكها فرد أو جهة واحدة. فمن يقول لك في هذه الساعة مثلاً أن الشمس أذنت بالغروب، فتوجه بصرك إلى أعلى، فتجد الشمس في كبد السماء، ثم يأتيك هاتف من أخر ويقول لك أن الشمس تشرق عندنا في هذه الساعة، فثلاثتكم يرى حقيقة لا يراها الأخر. فهل يحق لكل طرف من هذه الأطراف أن يقول للآخرين أنكم على خطاء وأنا على صواب؟ لذا تجدني في بعض مقالاتي أدفع بالقارئ واستحثه، أو استفزه ليكون فضولياً في البحث والتحقيق عله يجد الحقيقة التي يبحث عنها بجهده وكده، حتى يصل إلى الإجابات الشافية التي تقنعه، أو يقوده بحثه لمسار أخر. هذه متعة من متع البحث والتحقيق المخبأة فيه.
أما المسار الثاني من المقال: فتحدثنا فيه عن الإبداع والابتكار، وكان (إستيف جوبز) مثالاً حياً لذلك، وأوضحنا لمن يريد التميز في الحياة أن يكون صاحب أنتاج وعطاء فكري أو ذهني، أو الاثنين معاً. ذلك ما تفرد وتميز به (إستيف جوبز)، لذا نكتفي بما قلنا في مقالنا السابق ولا زيادة عليه. أما ثالث المسارات: فيعطي مؤشراً وتوجهاً عاماً لمعيار النجاح في هذه الحياة الدنيا، ولمن يريد أن يحققه ويرغب في ترك بصماته بعد رحيله، كانت مرجعيتنا كذلك (إستيف جوبز). فإستيف لا يرى حرجاً في أن يبدأ من جديد. وهو نهج تجذر في (سيلكون فالي Silicon Valley) أي وادي سيلكون - وهي المنطقة التي تقع في الجزء الجنوبي من خليج سان فرانسيسكو من ولاية كاليفورنيا. جاءت شهرة هذا الوادي لأنه  مقر لأعمال التقنية العالية، لذا أصبح اسم الوادي مرادفاً لمصطلح التقنية العالية- نهج وادي سيلكون يقول:  “The easier is to start under, the easier is to start over”  أي الأسهل أن تبتدئ من القاع، والأسهل أن تبدأ من جديد. لهذا يُعدُ السقوط والنهوض شرط أساسي من شروط النجاح. فمن أراد النجاح فعليه أن يَهُبَ واقفاً بعد كل سقطة وآخري، وأن يمضي ولو متعثراً. أما اؤلئك الذين ينسحبون بعد أول سقوط أو فشل يعترض طريقهم فلن يحققوا نجاحاً في هذه الحياة، وسيبقون ابد الدهر تحت الحفر، كما قال شاعر تونس الخضراء أبو القاسم الشابي في قصيدته (لحن الحياة) جاء فهيا: "ومن لا يحب صعود الجبال، يعش ابد الدهر بين الحفر". والموعودون بالنجاح هم اؤلئك النفر الذين يصرون على البقاء داخل المسار ليصلوا إلى أهدافهم. علق قارئ كريم على قولي بنجاح (إستيف جوبز) مستشهداً بما قاله تشرشل: “Success is not final failure, is not fatal. It is the courage to continue that count” وضع عزيز القارئ خطين تحت قول تشرشل “It is the courage to continue that count”. فإن صحت ترجمتي فإن تشرشل يقول: "الذي يُحسبْ هو القدرة على مواصلة المسيرة". ومن أراد مثلاً ليتيقن فلينظر إلى الطفل وهو يبدأ أولى خطواته في الحياة لِتَعْلُم السير على قدمين، كم من مرة سقط هذا الطفل؟ وكم من مرة نهض ثم سقط مرة أخرى؟ ثم أعقبها نهوض وسير على قدمين إلى أن يلقى ربه أو تصيبه عاهة أو مرض يقعده؟!!!
أما المسار الرابع: فهو مكان مَحْطُ رِحالِنا وسيأتي تفصيله في الجزء الثاني من هذا المقال يوم الخميس 17 نوفمبر إن شاء الله، حيث سنعرض ونستعرض كيف أن (إستيف جوبز) وكثير غيره من علماء الحوسبة IT  وفي عصر المعلومات الرقمي The Digital Age والعالم يخطو أولى خطواته في الألفية الثالثة، أحالوا كوكبنا الأرضي المستدير وأعادوه لسابق عهده القديم الذي كان يؤمن به قدماؤنا، وهو بأن الأرض مسطحةً؟!