بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



سودانيو المهجر يجدون بعض السلوى في تصفح الصحف السودانية عبر الإنترنت. ولعلي لا أكشفُ سراً إن قلتُ أن من أكثر الصحف التي احرصُ على الإطلاع عليها عبر الإنترنت هي أخبار اليوم، والصحافة، وسودانايل، سودانيزاونلاين، والصدى. يرجع ذلك لسهولة وسرعة العرض على شاشة الكمبيوتر، كما أنها تحترم قارئها بتحديث مواقعها بصفة منتظمة. هذا ما لا نجده مجتمعاً في كثير من الصحف السودانية الأخرى، التي يبدو أنها آثرت الاهتمام بمظهرها (استعراض الصورة والخبر، وأغفلت سرعة التحميل وتحديث الموقع).
حدث أكثر من مرة أن تحدثتُ لأخي وصديقي عاصم البلال (أبو فارس) مشيداً أو منتقداً لما يرد بأخبار اليوم. وكان أخر حديث بيننا يتعلق بنشر تصريح رئيس نادي الهلال يوم مباراته مع فريق انمبيا النيجيري، والتي خسرها الهلال بهدفين مقابل هدف. في تصريحه أتهم رئيس الهلال بعض محترفي المريخ وآخرين بالتواطؤ والتأمر على الهلال. قلتُ لعاصم كان الأولى برئيس الهلال والصفحة الرياضية بأخبار اليوم أن تنصرف في ذلك اليوم بكلياتها نحو الهدف الأسمى والمساهمة في الإعداد النفسي للاعبي الهلال، وحث مشجعو كرة القدم للانحياز لفريق الهلال الذي يمثلنا جميعاً. ولكن بكل أسف كحالنا في شتى مناحي حياتنا، ننصرف دائماً عن أهدافنا الأساسية وأولوياتنا وننزلق إلى خارج المسار، ونشغل أنفسنا بقضايا جانبية تفرض نفسها وتصبح في صدر قائمة أولوياتنا، وننسى تماماً هدفنا الأساسي الذي نرمي إليه.
كرة القدم في عالمنا المعاصر أصبحت أداة تنمية وسلام وتمازج بين الشعوب. انتبهت لهذا الأمر مؤخراً الأمم المتحدة فكونت لها سكرتارية خاصة (مكتب الأمم المتحدة المعني بالرياضة من أجل التنمية والسلام (United Nations Office on Sport for Development and Peace (UNOSDP)) ومقره جنيف، ليُعْنى بالعمل على ترقية الرياضة بين الشعوب. مما دفعها للتعاون مع اللجنة الاولمبية الدولية International Olympic Committee  (IOC)، بعد أن أيقنت أن الرياضة بصفة عامة، وكرة القدم بصفة خاصة ستعلبُ دوراً فاعلاً في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة MDGs (Millennium Development Goals ) وهي أهداف تتناول قضايا العالم الأكثر إلحاحاً وتحتاج إلى دعم وجهد كل الشعوب. لهذا بادرت بالاتصال بالإتحاد الدولي لكرة القدم FIFA  للبحث عن شراكة أخرى. علق على هذه المبادرة السيد بلاتير رئيس الفيفا، قائلاً: "أن كرة القدم أصبحت أداة لتعزيز التنمية والسلام، كما أنها تسهم في التماسك والترابط الاجتماعي من خلال تبادل الزيارات وبناء المراكز المجتمعية للتعليم والتنمية والصحة". لهذا شاركت الفيفا في برامج متنوعة مع مختلف الهيئات التابعة لمنظومة الأمم المتحدة، منها صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، ومنظمة العمل الدولية (ILO).
ولكرة القدم  فضل في ترقية التعليم والتدريب وإرساء قيم العمل الطوعي من خلال  منظمات أهلية لا تهدف للربح. كما أنها ساعدت في ترقية الاندماج الاجتماعي وتكافؤ الفرص ومكافحة العنصرية والعنف، والدعوة إلى السلام. وتلعب دوراً في النشاط البدني الذي يساعد في التوازن النفسي. ولها مساهمات حيوية في البعد البيئي، بخلق الميادين والساحات داخل المدن وخارجها لتصبح متنفساً للناس، خاصة للشباب من الجنسين. ولكن بكل أسف تتعرض هذه الشريحة الهامة من أبناء وبنات وطني لكثير من الإهمال في توفير ساحات ومنتديات الترفيه أو اللهو البريء الذي يستوعب مثل هذه الطاقات. كما أن كرة القدم تلعب دوراً هاماً في ترقية وتوسيع مواعين الاقتصاد المحلي وخلق العمالة في أكثر من قطاع، بالإضافة إلى أن الرياضة أصبحت أداة فاعلة في ترقية العلاقات الخارجية والثنائية بين الشعوب والأمم، ولنا في العلاقة المتطورة بين الصين وأمريكا أسوة وعبرة، فقد بدأت بتنس الطاولة، وأنظر إليها أين تقف الآن؟ من هذا المنطلق يتضح لنا أن كرة القدم في عصرنا الحديث أصبحت أداة فاعلة لتقريب الشعوب وإشاعة السلام وقيم التسامح والانتماء لهذا العالم الفسيح.
هذه هي الرياضة وكرة القدم التي يبحث عنها ويحتاجها السودان، خاصة وأن بلادنا تمر بمنعطف وظرف سياسي واجتماعي تحتاج فيه لتشجيع كل أداة تدفع نحو السلام والتمازج بين أقاليم بلادي، والقبول بالآخر والعمل معاً لمستقبل أفضل لأجيالنا القادمة. إن كان القارئ يشاركني في هذا المفهوم العام لأهداف الرياضة وكرة القدم، فسيصاب بالحسرة والندم وهو يقرأ لرئيس نادي الهلال كلام لا يجوز أن يجري على لسان رجل في مكانته وقامته، كما كان الأجدر من القائمين على الصفحة الرياضية بجريدة أخبار اليوم إغفال  هذا الحديث الذي ورد في عدد الأربعاء 5 سبتمبر2011، نقلاً عن الإذاعة الرياضة دعا فيه رئيس نادي الهلال : " بتكوين جيش من الهلال لحماية الأزرق من كل متربص من خارج الكيان أو من الطابور الخامس". وكأن السودان يشكو العوز وطوبى الأرض من قلة الجيوش غير الشرعية، من مليشيات حزبية حاكمة، وغير حاكمة، روعت أمن إنسان السودان الذي كان ليوم قريب ينام في العراء ولا يخشى إلا الذئب على غنمه. أما الآن حتى داخل بيته لا ينام إلا بعد أن يطمئن أنه داخل سجن حقيقي محاط بالأسوار والأقفال. وما يزيد المرء حزناً أن رئيس نادي الهلال مُنِحَ لقب " الكيماوي؟" إنها لصفة تنفرُ منها كل نفس سوية، فهل لقب "الكيماوي" يعد فخراً وشجاعة، أم مهانة وإساءة؟
لعلها سانحة أن أهمس في أذن كل (هلالابي) وأنا المريخي الذي تعلق بالنجمة الحمراء منذ نعومة أظافري، قائلاً بصدق لا وجل فيه: "انتبهوا لفريقكم ولا تحيدوا عن هدفكم الأسمى، وهو الحصول على البطولة الأفريقية التي ستأتيكم طائعة لأنكم بها جديرون. فإن غابت عنكم هذا العام، فستأتي في أعوام أخر، ففريق الهلال فرض نفسه بجدارته ومهارة لاعبيه، وهو الفريق السوداني الوحيد من بين فرق أفريقية قليلة العدد فرضت تواجدها الدائم في هذه البطولة خلال العشر سنوات الأخيرة، بل وصل فيها الهلال لمراحل متقدمة. كل ذلك لم تكن بضربة حظ لازب، كما نقول نحن أهل المريخ تبخيساً لعطائه "ولا تبخسوا الناس أشياءهم"، بل أستحقها بجهد وعرق لاعبيه، وتكاتف وتعاضد أنصاره (مشجعون، وإداريون، وإعلاميون). فعلى أهل الهلال أن يكفوا عن المزايدة ووصف الآخرين بما يستحقون وما لا يستحقون "لا يسخر قوم من قوم"، وأن ينصرفوا بكلياتهم نحو هدفهم الأسمى، وأن يعملوا على إشاعة روح المحبة والتنافس الشريف. ولعلي أهمس قائلاً: " أن شوط المباراة الثاني ضد الترجي لم يُلْعَبُ بعد، ولاعبو الهلال سيفعلوها ثانية، وثالثة، وعاشرة، كما فعلوها من قبل في الجزائر ومصر مرتين، وأخيراً مع مازمبي، والدور آت على الترجي إن شاء الله، فلا مستحيل تحت الشمس. فمن يطرق الباب يفتح له، ولكن من الممكن أن لا يفتح الباب من الطرقة الأولى.
في ختام مقالي أناشد كافة القطاعات العاملة في مجال الرياضة، وأخص منها أجهزة الإعلام المهتمة بكرة القدم، موصياً إياهم أن يعملوا على إشاعة قيم التسامح والمحبة والسلام والتضامن والتكاتف، والقبول بالأخر، وأن لا ننسى أبداً أن أي تمثيل رياضي خارج حدود السودان هو تمثيل لنا جميعاً نحن أهل السودان ممتثلين للقول: " أنا وابن عمي على الغريب". مع دعواتي للهلال بحظ أوفر في تونس الخضراء، فإن لم تكن هذه المرة فإني علي يقين بأنها ستكون في مرات قادمات، في يومٍ ما وفي بلد ما. ولا نامت أعين كل من يريد أفول هلال هو رمز عقيدتنا.