بسم الله الرحمن الرحيم
من أبواب متفرقة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عجبتُ للبكائيات التي اندلقت كالطوفان في وسائل إعلامنا تذرف دموع التماسيح نعياً لذهاب الجنوب عن الشمال وقيام دولة جنوب السودان. وأكثر عجبي ودهشتي بكائية الصفوة التي تطرب لسماع صدى صوتها من خلال أجهزة الإعلام. هؤلاء أحسبهم واهمون في مثاليتهم، واهمون في أفكارهم، واهمون في توجهاتهم التي لا يربطها بأرض الواقع قليل شيء. والأسوأ من ذلك كله، أنهم وخلال فترة تجاوزت نصف قرن من الزمان، لم يعملوا يوماً واحداً في حياتهم من أجل وحدة الشمال والجنوب، رامين باللوم على عاتق الدولة، وكأن الشعوب تصنعها الدول وليس الضد هو الصواب.
دور المثقف السوداني في قضايا الوطن بائس فقير - إدمان الفشل كما عرفه د. منصور خالد- فغالباً ما ينتهي جهد المثقف بمتابعة الأحداث التي تقع على تراب وطنه عبر التفاعل عن بعد (الرموتكنترول) من المؤتمرات، أو ورش العمل، أو ردهات الفنادق، أو غرف الاستقبال، أو المكاتب الوثيرة المدججة بالأثاث وأجهزة التبريد والتلفاز. فالمثقف والرأسمالي السوداني كلاهما يعيشان في برج عاجي وعزلة دائمة عن السواد الأعظم من أبناء شعبهم، إلا من رحم ربي. فقليل منهم سعوا للارتباط بقضايا الريف والمستضعفين، ارتباطاً صادقاً في العيش معهم والمعايشة لأحوالهم وتحسس قضاياهم من واقع معاش وتقديم الحلول على ضوء ذلك. أما إذا تحدثنا عن الجنوب والجنوبيين فذلك إثم عظيم، لا نستثني منه أحد إلا الرعيل الأول من المعلمين والأطباء والممرضين، وجهاز الشرطة وبعض موظفي الخدمة المدنية، والسكة حديد والنقل النهري، والتجار، الذين ذهبوا إلى الجنوب لتقديم العون لإنسانه، والمساهمة في ترقية حياته. فالناظر لحال مثقفينا والرأسماليين واخص أولئك الذين أتوا من الريف، تجدهم ابعد الناس عن حياة إنسان السودان كله فما بالك والجنوب؟! ولو قدر أن طرحتَ سؤالاً مستفهماً عن أخر زيارة قاموا بها لقراهم أو ريفهم، لما امتلكوا الإجابة. أما لو سألتهم عن العون والمساعدات أو البرامج التنموية التي ساهموا فيها لوجمت شفاههم وانعقدت ألسنتهم. فلماذا إذن تسألهم عن الجنوب السودان وأهله الذي لم يتشرفوا برؤيته حتى في منامهم، باستثناء حصص الجغرافيا وورش العمل والمؤتمرات، التي يشغلون الناس بها والإعلام. ألم اقل لكم إنهم يحبون أن يسمعوا صدى صوتهم؟
التباعد النفسي بين إنسان الجنوب والشمال:
أذكر في دعوة غداء في بيت أحد المعارف، وهو من يمكن وصفه بأنه ينتمي للطبقتين (المثقفين والرأسماليين) جمعت دعوته كل ألوان الطيف كما يصف إعلامنا، إلا طيف الجنوب لم يكن له رفد ووفد. ودار حوار جاد عن الوحدة، وكان صاحب الدار من دعاة الانفصال، ليس كراهية منه لأهل الجنوب ولكن صدق مع النفس وواقعية لما حولها. فطرح سؤالاً أحرج الضيوف بقوله:"يا جماعة أسا في الدعوة دي في جنوبي؟ وأسا لو أي واحد منكم عمل دعوة مشابهة أو عرس لبتو أو ولدو ح يدعي جنوبي؟ وختم كلامه قائلاً: منو الفيكم صاحبو جنوبي؟ والمنو الفيكم نسيبو جنوبي؟"
والله إن أردنا الحق، فإن أخوتنا في الوطن والإنسانية أبناء جنوب السودان ما رأوا منا خيراً قط، إلا التهميش والازدراء، والنظرة المتعالية بل أشد وانكأ. ظناً منا أن لون بشرتنا القمحي والبني يعطينا ميزة على أصحاب البشرة السوداء، ناسين أننا أمة تنتمي لدين الله (الإسلام) التي يقول نبيها الأكرم: " كلكم لأدم وآدم من تراب".
كاتب المقال يمكن وصفه بأنه صاحب لون بني، وهو لون داكن قياساً باللون القمحي، ولكن لا أحد في السودان يمكن أن يصفه بأنه أسود. واللون القمحي هو لون أكبر أبنائي (محمداً) الذي توفى غرقاً في بحيرة نيوشاتل بسويسرا، وهو في التاسعة من عمره عندما كان في رحلة ترفيهية. جاء في بلاغ مشرف الرحلة للشرطة بأن (طفلاً اسوداً) غاب عن أبصارهم، وعثر على جثمانه أحد أصحاب القوارب، وعندما استجوبته الشرطة قال: "رأيت في عقر الماء (جسدُ طفلِ اسوداً)". العالم لا يفرق بين ألواننا (قمحي وبني واخضر) فكلنا عنده سود فلما التكبر والازدراء؟!!

الانتصار حليف لأصحاب الإرادة:   
لعلها سانحة أزف فيها التهنئة القلبية الصادقة لإخوتنا وأخواتنا في جنوب السودان بقيام دولتهم الفتية المستقلة، فهم جديرون بها، فقد قاتلوا من أجلها لعقود متواليات، قتال الرجال والأبطال الذي لا يعرف قتالاً خارج أرض المعركة أو اغتيالاً، قتال بشرف، قدموا فيه النفوس بعد النفوس لتحقيق هذا الهدف الأسمى ألا وهو قيام دولة الجنوب. والتهنئة لقائدهم في مرقده (جون قرنق) الذي أفنى حياته كلها من أجل هدف واحد هو تحرير جنوب السودان من قبضة أهل الشمال. وإني لأكبر فيه ومن معه أنهم عملوا من أجل هدفهم الأسمى هذا بمكر ودهاء، حتى صدقنا نحن أصحاب الأحلام الوردية أن قرنق يعمل من أجل بقاء السودان موحداً، فإذا بشعب الجنوب يجندل أحلامنا بالضربة القاضية التي نستحقها لأننا لم نعمل لغيرها. وكان الانتصار حليف أصحاب الإرادة والخطط والإستراتيجية الكبرى والصغرى والمرحلية. فمن بين كل تلكم المراحل لم يكن هناك بند واحد يدعو لأن يبقى الجنوب جزءً من السودان. وقد عمل قرنق ورفاقه  للوصول لأهدافهم بشتى الوسائل والسبل، ولم يروا حرجاً أن يتحالفوا مع الشيطان الأكبر، ومع كل القوى السياسة الشمالية، وعلى رأسهم السيد محمد عثمان المرغني وحزبه، مروراً بأصحاب النعرات العرقية، كما استدرجوا بذكاء ومكر ودهاء بعض مثقفي الشمال وفي مقدمتهم دكتور منصور خالد وياسر عرمان وآخرون، وباعوا لهم (قطار) الوحدة الذي لم يبنوا له قضيب يسير عليه، فمكث قابع في مكانه، والحسرة تملأ الجوانح.
سبق لي أن كتبتُ مقالاً تم نشره في جريدة الرأي العام في يوم 7/01/2001، بشرتُ فيه بأن السودان لن يبق وطناً واحداً في مطلع العقد القادم إلا في مخيلة العاشقين؟! ها هي تنبؤاتي تصبح حقيقة ماثلة في يوم 9 يوليو 2011، أي بعد عشر سنوات ونصف، وأخشى أن تتم (الناقصة) وتتحقق باقي تنبؤاتي، وهي انضمام أهل جبال النوبة والنيل الأزرق لدولة الجنوب بخيارهم وليس باختيارهم، والفزع الأكبر هو أن تقوم دولة دارفور الكبرى التي بشر بها أصحاب الكتاب الأسود، وتحتل مصر جزءً آخر من أرض بلادي لتصبح بحيرة النوبة بكاملها جزءً من أرضيها.     
أعظم انجاز في تاريخ السودان:
في تقديري الشخصي أن أعظم أنجاز تم تحقيقه بعد الاستقلال هو إعطاء أبناء الجنوب حق تقرير المصير، وتمكينهم من قيام دولتهم. وهذا أنجاز يحسب لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير ولحزبه، رضينا أم أبينا، ضحكنا أم بكينا. ولعل الرجل أصبح على قناعة تامة بعد تلكم الفترة التي قضاها كجندي يقاتل في أحراش الجنوب أن أفضل الحلول لأبناء السودان أن يفترقوا بسلام من أن يتوحدوا بقتال مستدام. ولكن ما يجعل في القلب حسرة وندامة، أنه قد بان لكل ذي بصيرة أن اتفاقية السلام بها ثقوب وعيوب قد يتعذر رقعها. فكان من الاوجب معالجة تلكم الثقوب والعيوب قبل أعطاء حق تقرير المصير. وليتهم أقدموا على حل كل القضايا الفرعية، مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، حدود الدولتين، وابيي، وقسمة البترول والمياه والديون الخارجية، وهوية الجنوبيين المقيمين بالشمال والشماليين المقيمين بالجنوب، إلى آخر القائمة، قبل أن نأتي لمرحلة حق تقرير المصير.
أخي الرئيس، الجفلن خلهن:
ما من حرب شهدها العالم في القرن الماضي وهذا القرن إلا وانتهت أطرافها بطاولة الحوار والتفاوض. وما تم في نيفاشا هو عين الصواب ومنتهى الحكمة. وامتثالاً لهذه القاعدة الذهبية، أدعو القيادة السياسية في السودان الجديد، وقادة الأطراف المحاربة للدولة أن تضع السلاح وتبدأ الحوار، وصولاً لسلام دائم. فمن الغباء أن نحارب بعضنا بعضاً ويقتل بعضنا بعضاً ثم نجلس لنتفاوض ونسالم. أما الغباء الأعظم فهو أن ندفع ثلث الوطن ثمناً لسلام لم نحصل عليه؟!!!