لولا أن العبارة ابتذلت من كثرة الاستعمال لقلت إن بلادنا تمر بمنعطف تاريخي. الجميع يدرك أن بلادنا تمر فعلاً بأخطر منعطفاتها السياسية على الإطلاق منذ استقلالها، فنحن بين يدي مرحلة "استكمال بناء أمة سودانية موحّدة آمنة متحضرة متقدمة متطوّرة" كما تقول الإستراتيجية ربع القرنية، أو مرحلة تعيد إنتاج أزماتنا لا قدّر الله وترسم خريطة جديدة الوطن.

إذا تأملنا حياتنا العامة نرى أن كثيراً من مشكلاتنا تطورت بسبب المواقف والخطابات الخشبية التي لم تقبل الأخذ والرد؛ إما نحن أو الطوفان، أو كما يقول المثل البدوي القديم "إذا سلمت أنا وناقتي ما علي بجماعتي"!

الفهم المتبادل عن طريق الحوار هو السبيل للأرضية المشتركة، ليس مطلوباً أن نوحد آراءنا حول قضية من القضايا فهذا مستحيل، ولكن المطلوب أن نبحث عن الحلول من زوايا مختلفة، ويمكن أن نتنازل لما فيه المصلحة العامة ولو على حساب الحظوظ الشخصية والحزبية.

تعلمنا التجربة أن العمل المشترك ممكن حتى بين جماعات تختلف في أهدافها ومنطلقاتها الفكرية والسياسية. من كان يظن أن عدوّين متحاربين سنوات يستطيعان أن يشكلا حكومة واحدة ويعملا بروح الفريق رغم ما اعترى عملهما من عقبات ومشكلات.

ما دمنا نعتقد أن التجدد في السياسة وفي غيرها هو الأصل ، فإن علينا أن نفكر بخطاب سياسي متجدد. إما أن نتجدّد أو نتبدّد. يدل واقع الحال أن تجديد الوجوه أمر صعب، فليس أقل إذن من تجديد النيات والأقوال والأفعال.

الخطاب السياسي الذي يستجيب لمتطلبات المرحلة ليس هو بالتأكيد خطاب التهديد والوعيد وتبادل التهم والألفاظ الجارحة، وليس هو خطاب العلو والغلو الذي ثبت أنه لا يجلب احترام الناس، وللأسف فإن مناخ التنافس الانتخابي يغري بالانزلاق إلى مثل هذا الخطاب العقيم.

خطاب العلو نقصد به ما يصدر عن شخص يتعالى على الآخرين، وأن تكون النبرة عالية في غير محلها ، فالنبرة العالية لا حاجة إليها في زمان الالكترونيات الحساسة. صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب في الموعظة وعند الحرب بالصوت العالي، وقد وصفه بعض الواصفين أنه كان حين يخطب يبدو وكأنه منذر جيش، غير أن الخطاب السياسي في الانتخابات لا يريد أن يعظ أو يحرض على القتال.

كنا فيما مضى أعضاء بلجنة استشارية لإدارة الأخبار والشؤون السياسية في التلفزيون، وفي مرة من المرّات قدمت اقتراحاً بإضافة مقتطفات لفظية لأن الأخبار كانت صامتة وقتها حينما كانت تقدم الصور فقط. وقد يبدو الآن أن التلفزيون يسرف في عرض لقطات بالصوت لخطب جماهيرية، مع أن العرض لا يكون جيداً ، فما يتلقاه الجمهور في الساحة العامة غير ما يتلقاه جمهور التلفزيون.

الزعيم العربي الذي اشتهر بالخطابة الجماهيرية عالية الصوت هو جمال عبد الناصر، وقد تميز بملكات خاصة، إضافة إلى أنه كان يخطب بالأخبار، وكان الجمهور ينتظر في خطبه إعلاناً مدوياً أو قراراً من القرارات الهامة مثل قرار تأميم قناة السويس الذي تم الكشف عنه أثناء خطاب جماهيري.

عبد الناصر نفسه في آخر حياته بعد أن استمع لخطاب هادئ ومؤثر للأديب طه حسين تمنى لو أنه كان مثله خطيباً هادئ النبرة.

جلست مرّة في أحد المؤتمرات إلى جوار المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان الذي عمل دبلوماسياً لبلاده وكان مسؤول الإعلام في حلف الأطلسي، فسألني بعد أن استمع إلى المتكلمين: لماذا يتكلم الناس عندكم هكذا بانفعال وبصوت مرتفع؟ وأخبرني أنهم كانوا يتدربون في دوراتهم الدبلوماسية على كيفية استفزاز الطرف الآخر لكي يخرج عن طوره ويتحدث بانفعال، لأن التحدث بهذه الطريقة مدعاة للوقوع في الخطأ. الانفعال يعصف بسكينة النفس، والشخص الغاضب مثل "السكران" لا يعي ما يقول!

أهم متطلبات المرحلة هي بناء الثقة بين الأطراف المختلفة داخل الوطن، والمحافظة على السلام، وحفظ وحدة الوطن، وتعزيز الأمن بمفهومه الشامل، وكفالة حقوق الإنسان والحريات، وتحسين بيئة الاستثمار والشراكات الاقتصادية. هذه هي الأهداف التي أبرزتها الإستراتيجية المشار إليها، وبها نحقق الانتقال الهادئ بالوطن إلى غد أفضل.

وإذا كان الخطاب السياسي هو البعد الظاهر لنيات المتخاطبين ، وهو الفعل السياسي مجسداً في كلمة وخطبة أو حتى في طريقة الاستماع للآخرين والتفاعل معهم، فإنه يجب أن يكون جهداً مخططاً له؛ كيف نقول وماذا نقول ولمن نقول وبأي وسيلة؟

هذا موضوع طويل, لا يكفي لتناوله مقال أو مقالان، نعود إليه في المرة القادمة إذا كتب الله العمر.

osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]