التقيت الدكتور عبد الوهاب عثمان أول مرّة حين ذهبت إليه أحمل خطاباً من مسؤول رفيع لأتدبر أمر انتقال مجلس الصحافة من مقره في الخرطوم بحري إلى مقر آخر. نظر السيد وزير المالية في الخطاب وأعاده إليّ مع عبارة مقتضبة: ده ما بيدخل في أولوياتنا. حاولت أن أناقشه فردّ بحسم: لو عندنا قروش أولى بيها الذرة المفروض تترحل عشان تحصّل الناس المنتظرين ياكلوا... فكّرت أن أقول له إنني من أهله إذ لم يكن يعرفني معرفة شخصية، ولكني عدلت عن ذلك، فحملت خطابي وخرجت... كان الموقف غير مناسب على الإطلاق لحديث شخصي ...
وكان لقائي الثاني مع الدكتور عبد الوهاب بعد أن ترجّل من وزارة المالية وجاء في افتتاح كلية الطب بجامعة دنقلا، وكنت حينها في حكومة الولاية الشمالية وزيراً للتربية والتعليم. ساعات معدودة قضيناها معا، ولكنه ظل يتبادل الحديث برطانة فصيحة مع عبد الله حاج محمد، أحد أعيان الولاية وشخصياتها الشعبية الأثيرة.
لم أدخل في "الخريطة الاجتماعية" للدكتور عبد الوهاب إلا بموقف طريف عندما ضمتنا منصة واحدة في مؤتمر "مقام النبوة بين تعظيم المحبين وإساءة المبغضين" سنة 2006م في رحاب جامعة القرآن الكريم. باغتني عقب تقديم ورقتي بسؤال: انت أنصار سنة وتتكلم عن الوسطية؟ وجدت الفرصة سانحة لتعريفه بشخصي وبما لدى أسرتنا من نسب وصهر عندهم في بلدتهم (الحفير)، ثم أردفت ذلك بإهدائه نسخة من كتاب كان قد صدر لي في ذلك الوقت.
منذ ذلك اليوم سلكت تلميذاً في حضرة الدكتور عبد الوهاب عثمان، وامتدت لقاءاتنا بين الخرطوم ومكة، فقد كان ـ رحمه الله ـ لا يغيب عن حج أو عمرة. كان ملتقانا غالباً في جدة عقب انقضاء الموسم.
حرص أن يسلمني نسخاً من كل بحث أو كتاب أو ورقة يكتبها، وقد نشط خلال السنوات في الكتابة والتأليف. إنه واحد من الاقتصاديين السودانيين الذين تركوا أثراً خالداً في تحليل ودراسة الاقتصاد السوداني. وكان له إسهام ببحث علمي رصين عن الأمة الإسلامية و التحولات السياسية والاقتصادية المعاصرة ، قدّمه في مؤتمر "العالم الإسلامي: مشكلات وحلول"، ونشرت رابطة العالم الإسلامي ذلك البحث ضمن كتابها السنوي "دراسات في الشأن الإسلامي".
ظللت ألجأ إليه كلما أردت فهماً لمغاليق الاقتصاد الدولي أو السوداني وما أكثرها. سألته ذات مرّة أني أسمع في الخطاب السياسي والإعلامي عن انهيار الاقتصاد السوداني، فقال لي: هذه عبارة بلاغية وليست دقيقة، عندما نقول انهارت العمارة نعني أنها لم تعد قائمة وأنها وقعت على رؤوس سكانها. الاقتصاد السوداني ما يزال يعمل ، ونستطيع أن نصفه بالاختلال ووجود عوائق كثيرة تحول دون الأداء الطبيعي.
لجألجأ إليه
وسمعت منه أنه حرص وهو في الوزارة غاية الحرص ألا تدخل عائدات البترول في الموازنة الجارية. وظل ينصح بذلك، لأن أسوأ ما يواجهه الناس تحول الاقتصاد إلى اقتصاد استهلاكي ، والأفضل توجيه هذه العائدات إلى دعم الصناعة والزراعة وتأهيل البنية التحتية. للأسف ـ يقول الدكتور عبد الوهاب ـ توسعنا في بناء الأبراج والصرف البذخي دون أن نضع اعتباراً لخروج البترول بأي سبب من الموازنة العامة. ألم تلاحظ ـ والحديث ما يزال للدكتور عبد الوهاب ـ أن السودانيين خلال صحوتهم الاقتصادية القصيرة توجهوا للاستهلاك، فصرنا نستقبل واردات السيارات، وتوسع الناس في شراء الكماليات مثل أنواع الأثاث الفاخر بدلاً من الادخار والاستثمار.
وكان يزعجه إسراف بعض وزراء المالية والاقتصاد في الكلام والإدلاء بالتصريحات للصحف ووسائل الإعلام. كان يردد: وزير المالية ينبغي ألا يتكلم. وما أحوجنا دائماً إلى وزير مالية فعّال لا إلى وزير مالية قوّال.
لقد خلعت الصحف على الراحل العزيز أوصافاً من نوع: الرجل القرآني، والذاكر لله كثيراً، وصنديد الاقتصاد، ووزير المالية الأعظم. وكل ذلك حق أشهد عليه من واقع قربي منه خلال السنوات الأخيرة. وما كان لمثل عبد الوهاب عثمان أن يستمر في وزارة المالية وقتاً طويلاً. فمع الاعتذار لكل وزراء المالية في المركز والولايات أقول: ربما أن الحكومات تفضل أن يكون وزراء المالية لديها من نوع السهل غير الممتنع. والواقع أن هناك الكثير من الوزراء لديهم قدرة على العمل ، لكن يحتاجون دوماً لمن يعرّفهم كيف يعملون.
منذ أيام فاجأني شيخنا عبد الوهاب عثمان باتصال هاتفي، وكنت انقطعت عن الاتصال به مراعياً ظرفه الصحّي، فعاتبني على ذلك الانقطاع. قلت له: أنا أطمع في لقاء يتجدد في الحرم، قال: تصوّر مضت سنتان من آخر زيارة إلى الأراضي المقدسة. قلت له: عسى الله أن يكرمنا بلقاء قريب في الحرم الشريف وتكون قد استعدت صحتك بالكامل إن شاء الله.
ورحل عبد الوهاب وبيننا حديث لم يكتمل! 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.