عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تسلمتُ من المركز العربي للأبحاث ومقره الدوحة تقرير المؤشر العربي لسنة 2012 – 2013م ، وأبادر بالتعليق على بعض ما ورد فيه عن الأوضاع العربية، بتركيز على السودان.
ولا شك أن وجهة نظر الجماعة تجاه قضية معينة في وقت معين وفي بلد معين، لا يمكن تجاهلها في أي تقييم موضوعي للأوضاع العامة في ذلك البلد، كما أن الوعي الجماعي عنصر مهم في توجهات أي شعب.
كنت نشرت مقالاً عن هذا المؤشر العربي في العام الماضي عند صدوره للمرة الأولى، وكان المقال بعنوان: (مفاجأة: أكثر من (85%) من السودانيين راضون عن حياتهم)، وجاء فيه:  قد يبدو مفاجئاً أنّ الاستطلاع يُظهر مواطني المنطقة العربيّة راضين - بصفةٍ عامّة - عن حياتهم؛ إذ أفاد (73%) بأنّهم "راضون جدّا" أو "راضون" عن حياتهم، مقابل (27%) أفادوا بعدم رضاهم عن حياتهم. وتتباين الإجابات حسب المجتمعات في مدى رضا المواطنين عن حياتهم، إذ برزت أعلى نسبة للذين أفادوا بأنّهم راضون في: السّعودية؛ وموريتانيا؛ والسّودان، وقد تجاوزت نسبتهم (85%) في هذه الدّول (وكان أكثر من النصف "راضين جدًّا")، في حين جاءت نسب الرّاضين عن حياتهم بين ثلثي وثلاثة أرباع مواطني البلدان الأخرى ماعدا العراقيّين؛ إذ أفاد أكثريّتهم بأنّهم غير راضين عن حياتهم، بل إنّ نسبة المواطنين العراقيّين الّذين قالوا إنّهم "راضون جدّا" بلغت 2% فقط. وتجدر الملاحظة أيضًا أنّ 35% من الفلسطينيّين أفادوا بأنّهم غير راضين عن حياتهم، وكذلك 30% من اليمنيّين، و29% في كلّ من المغرب ولبنان. (انتهى ما ورد في المقال المشار إليه).
وكنت تلقيت كثيراً من التعقيبات بعضها لا يخلو من القسوة أو الشماتة كما هو المنتظر من بعض الذين يكتبون بغير مسؤولية في مواقع التواصل الاجتماعي. قال أحد المعقبين: الظاهر جماعتك ديل عملوا استطلاعهم وسط المغتربين أو وسط السودانيين المقيمين في قطر. وهذا غير وارد لأن الجهة الشريكة مع المركز جهة سودانية ومقرها الخرطوم. ولا يستبعد الخطأ في كل الأحوال، أو التحيز. وأذكر كيف أن الحكومة الفلسطينية في غزة رفضت بشدّة ذات مرّة نتائج استطلاع رأي عام، بحجة أن القائمين عليه أجروا مقابلاتهم مع المواطنين في وقت صلاة الجمعة، فكان الرأي الذي توصلوا إليه هو رأي المتخلفين عن الصلاة!
تبيّن نتائج المؤشر العربي لعام 2012 – 2013م أن (40%) من الأسر العربية تعيش حالة العوز والكفاف. هذا في الدول العربية بشكل عام، أما في السودان، فقد عبّر (52%) من المواطنين في السودان أن دخولهم لا تكفي احتياجاتهم ويواجهون صعوبة في تغطيتها، ويمكن قراءة هذه النسبة مع ما أعلنته وزارة الصحة منذ أيام أن سوء التغذية وسط أطفال السودان يبلغ نحو (16%)، أما النسبة المعلنة من ديوان الزكاة للفقراء فهي (40%).
نصف المواطنين العرب قيّموا مستوى الأمان في بلدانهم بالإيجابي، وأقل من النصف يتفاءلون بأن يتحسن مستوى الأمان في المستقبل. الأكثرية في السودان متشائمون بمستوى الأمان مستقبلا، فهم يرون أنها إما ستبقى كما هي عليه الآن أو سوف تسوء أكثر.
هذا مؤشر ينبغي أن يدق ناقوس الخطر، ويجب على أصحاب الأجندة الحربية من المتمردين والانتهازيين أن يعيدوا النظر في الاحتكام إلى السلاح حلاً لمشكلاتهم، وعليهم أن يكفوا أيديهم عن هذا البلد الذي يعاني منذ عقود من رعونتهم وجهلهم وغبائهم.
جاءت أعلى نسب التوقعات غير المتفائلة بتحسن الوضع الاقتصادي في البلدان المتأثرة بالحروب ويسود فيها عدم الاستقرار السياسي ومنها لبنان وفلسطين والسودان، علماً بأن سوريا غير مشمولة بهذا التقرير لأن الأوضاع هناك لم تسمح بإجراء الدراسة.
قيّم المواطنون أوضاع السياسة بالإيجابية في كل من (السعودية وموريتانيا والأردن والكويت)، وكانت النسبة التي قالت بأن الأوضاع سيئة أو سيئة جداً في بقية الدول العربية عالية جداً. (4%) فقط قالوا الوضع جيد جداً في السودان، و(25%) قالوا بأنه جيد، وامتنع عن الإجابة (12%) والبقية قالوا سيء أو سيء جداً. ولا شك أن هذا المؤشر له دلالة، ويضع على كاهل الجميع وبالأخص السياسيين والأحزاب مسؤولية كبيرة في العمل على تحسين الوضع السياسي، لكنهم يزيدون الوضع ضغثاً على إبّالة، أي بليّة على بليّة.
رغبة المواطنين في الهجرة إلى خارج أوطانهم مؤشر مهم لقياس الأوضاع، وقد بيّن المؤشر أن (26%) من العرب يرغبون مغادرة بلادهم. أما في السودان فإن (54%) من المواطنين يرغبون في المغادرة، وهي أكبر نسبة متجاوزة لبنان (33%) التي عُرفت تاريخياً بكثرة مهاجريها. غير أن دافع الهجرة للسودانيين كما تبين المؤشرات هو تحسين الوضع الاقتصادي، والعودة ، على خلاف الهجرة لدى كثير من العرب (الشوام واللبنانيين) الذين يهاجرون هجرة دائمة أو استيطانية.
هذه بعض الملامح من مؤشرات الأوضاع في الدول العربية، وهي تبين أننا نمر بمرحلة صعبة، تتنازعنا فيها الحروب والتوترات. ومن يتأمل اليوم خريطة النزاعات المسلحة في العالم، يستطيع أن يلاحظ أنها في المنطقة الإسلامية والعربية.
هنالك مناطق في العالم ودّعت العنف والنزاعات المسلحة في علاقاتها الدولية وفي سياستها الداخلية، وصار الرأي العام ينبذ الحرب والصراعات المسلحة. أوروبا حققت بالسياسة والاقتصاد ما لم تحققه بالوسائل العسكرية، لكنهم لا يتوقفون عن تصدير التوترات إلينا ليرسموا بالدماء حدوداً جديدة للدول.
إن أهم الساحات في مراحل بناء المجتمعات أو انهيارها هي ساحات التوتر النفسي الذي يشتت وعي الهوية عند الشعوب، كما يعبر أحمد داود أوغلو في كتاب له عن موقع تركيا في الساحة الدولية.

ولذلك من الضروري إعادة تعريف عقلانية لأوضاعنا ولمشكلاتنا، ليحصل وعي عميق بها في سبيل  التصحيح والإصلاح، وكما يقولون: الوعي قبل السعي.
والاهتمام بالرأي العام يكون من هذه المنطلق، فكل نهضة في التاريخ قامت على العنصر البشري المرتبط بعلاقة انتماء للمشروع الوطني.
ومرة أخرى يقول أوغلو: غياب العلاقة السليمة المشروعة بين العنصر البشري المؤهل وبين الخيارات الإستراتيجية للنظام السياسي في الشرق الأوسط هي أحد الأسباب الأساسية لعدم تحول القوة الكامنة إلى قوة إستراتيجية بالرغم من امتلاك موارد اقتصادية ومالية كبيرة.