سمعت مجموعة من الشباب في جلسة (ونسة) يتكلمون عن أسعار الدم التي وصلت مئة دولار للكيس الواحد. يا بلاش... وذكروا فلاناً الذي ذهب إلى (بنك) الدم فقالوا له دمك غير صالح لأنك مصاب بفقر الدم. فقر الجيب ينعكس فوراً في الدم! أما أظرف تعليق سمعته فهو قول أحدهم ضاحكاً: والله فكرة... خلينا نروح نحلب ليهم كام كيس، ونخلّي  شوية للصلاة.
ظننت هذا مبالغة في الكلام وتبادل النكتة حتى وجدت يوم أمس خبراً في إحدى الصحف عن منع وزارة الصحة بيع الدم. إذن الموضوع جد وليس أحاديث مجالس. ما الذي يجري؟
عندما تحرّيت الأمر وجدت بيع الدم والأعضاء موجوداً في أكثر من بلد، وهو منتشر في الدول الغربية، وهناك من يرشدك إلى كيفية بيع البلازما مقابل الـ "كويك كاش". وهناك من يبيعون النطف والبويضات والشعر، ناهيك عن الأعضاء؛ خاصة الكلى.
ووجدت أحد المجامع الفقهية يتعرّض لحكم أخذ العوض عن الدم وبعبارة أخرى  بيع الدم ، وجاء الرأي: "أنه لا يجوز بيع الدم ؛ لأنه من المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم مع الميتة ولحم الخنزير ، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه ، وقد صحّ في الحديث إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه كما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الدم ، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه للأغراض الطبية ولا يوجد من يتبرع به إلا بعوض ، فإن الضرورات تبيح المحظورات بقدر ما ترفع الضرورة وعندئذ يحل للمشتري دفع العوض ويكون الإثم على الآخذ . ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة تشجيعاً على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري ؛ لأنه يكون من باب التبرعات لا من باب المعاوضات".
إن ما يدفع بالبعض كي يعرضوا سائل الحياة في أجسادهم للبيع ليس بالشيء السهل. يجب أن تنتبه مجتمعاتنا إلى أحوال الفقراء والبائسين والمساكين، وتحس بأوضاعهم المزرية.
مع اطّراد حالات العوز والفقر نحتاج إلى برامج عاجلة لاستدراك الوضع، لا سيما مقابلة هذه الفوارق الكبيرة بين الفقراء والأغنياء. هناك خلل كبير في مستوى الدخول، فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً.
نحتاج إلى برامج استثنائية وخطوات غير مسبوقة في الدولة وفي المجتمع. نحتاج إلى شيء مثل الذي فعله الشيخ سليمان الراجحي رابع الأغنياء في العالم العربي وفق قائمة (فوربس) لهذا العام.
ببساطة قرّر الرجل التخلي عن ثروته وعيش بقية حياته بقوت يومه، إذ لم يعد يملك شيئاً من أمواله الخاصة، لأنه قسمها جزءين؛ الأول جعله وقفاً خيرياً، والجزء الثاني وزعه تركة لأبنائه وزوجاته.
أحد الأصدقاء ممن أفاء الله عليه بنعمة المال شكا إلي حاله قائلاً: أرجو ألا يبتليني الله في آخر العمر. قلت له: آمل ألا يكون بك بأس. قال: أرى الفلوس تتدفق عليّ كالمطر، أحياناً أفكر ماذا أفعل بكل هذا المال؟ قلت له: أنفق ... أنفق، كن كالجدول الجاري، وسّع مصارف البذل والصدقات. وكلما أنفقت يزيدك الله من خزائنه التي لا ينقصها شيء، وبقدر ما تسعى في حوائج الناس وتفريج الكروب عنهم ، يبعد الله عنك المصائب، ويزيدك في عافيتك ويبارك عمرك وولدك.
وسبحان مقسم الأرزاق. ناس يبيعون الدم من الفقر، وناس يتضجّرون من تدفق المال عليهم كالمطر. "وقد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه"، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////////////