كنت في دمشق منذ سنوات. انتهزت فرصة وجودي هناك للتعرّف على أوضاع الأوقاف الإسلامية إذ كنت أجمع مادة كتابي " تخطيط الإعلام للمؤسسات الوقفية ". لما فاتحت مضيفي السوري برغبتي ، وجدت وجهه تغيّر ثم همس في أذني: إياك أن تفتح هذا الموضوع هنا ... السؤال عن الأوقاف في هذه البلاد من المحظورات!
وفي تنقيبي عن تراث الأوقاف وجدت ملاحظة هامة من أحد العاملين في الأوقاف العراقية بأن الأوقاف هي أكثر الدوائر التي ابتليت بالمتنفذين، لأن لها كثيراً من الأملاك والعقارات التي يستأجرها هؤلاء المتنفذين أو التي تجاور أملاكهم أو التي تتركز مطامعهم في سبيلها.
وقد بلغ الاعتداء على الأوقاف درجة إلغائها بالجملة. وهذا ما فعله الباشا محمد علي عندما جاء إلى حكم مصر ووجد ثلث الأرض المزروعة في مصر أراضي وقفية.
ومن أغرب ما سمعت في أمر الأوقاف أن أحد المحسنين في بلد إسلامي أراد أن يدعم الأوقاف دعماً سخياً فقدم لها عمارة كبيرة مشترطاً أيلولة العمارة إليها (بيع وشرا) وعدم تسجيلها ضمن الأوقاف كي لا يصيبها مكروه ... وانظروا كيف تبدلت المفاهيم!
لقد استبشرنا خيراً عندما برزت أخيراً صحوة لإحياء سنة الوقف في عدد من البلاد الإسلاميةً، وشهدنا بالتقدير كله الاهتمام الذي وجدته الأوقاف في السودان. وأتيحت لي في السنوات الأخيرة التعرّف على بعض المبادرات لإحياء الأوقاف السودانية في الحرمين الشريفين والتغلب على ما يعترضها من معوقات. وبدأ العمل في ذلك بغايات نبيلة ، وليس لديّ أدنى فكرة حتى الآن عمّا إذا توفّرت لذلك خطة جيّدة ووسائل. ثم كان الخبر السيئ والسجال بين أحد مسؤولي الأوقاف وبين وزارة الإرشاد والأوقاف.
أعلم أن التوجه كان إلى العمل بصيغة استثمارية في أوقاف الحرمين، علماً بأن كثيراً من هذه الأوقاف أصابها ما يصيب الأوقاف عادة من (تحكير) وهو التأجير طويل الأجل، وبذل مدير الأوقاف الدكتور خالد سليمان إدريس جهده في الحصول على حجج وصكوك الأوقاف، مع اختفاء الصكوك، ووفاة بعض النظار وعدم انتظام من يخلفهم. وفي مثل هذا الظرف يكون اللجوء إلى منح جوائز أو نسبة من قيمة الوقف لكل من يدل على وقف أو يكشف عنه، ويكون الدفع في هذا السبيل هو الطريق الوحيد للحصول على الصكوك.
كل الذين يعرفون خالداً يدركون طهارة يده وعفة لسانه فهو يتحمل الآن نتائج قرارات رؤسائه فقد اتخذت القرارات بدفع أتعاب التعقيب للذين يتابعون استخراج مستندات الأوقاف وهو قرار تقديري مكفول لمن كان في سدة القيادة ليتخذ من القرارات ما يحقق مصلحة الوقف، فإن كانت هناك مساءلة فلتكن لمن اتخذ القرارات لا لمن نفّذها، وحتى هذه ما دامت هي سلطة تقديرية فإنها تصبح خارج دائرة المساءلة، والمجتهد فيها مأجور وإن أخطأ.
آمل أن نستفيد من هذه العثرة، وأن يكون التفكير في تأسيس مؤسسة خاصة بأوقاف الحرمين الشريفين تتمتع بقدر من الاستقلالية ، ولها قانونها الخاص الذي يضمن حفظ ونمو أصولها وفعالية أدائها ودقة المحاسبة، وأن يصار إلى مجلس نظارة بدلاً من صيغة ناظر الوقف.
كيف لنا أن ندير عملاً استثمارياً مؤسسياً بجهاز حكومي محدود ... لا يكون. العالم يتجه إلى تطوير المنتجات الوقفية وابتكار صيغ استثمارية وقفية ، وتطوير مفاهيم وقفية حديثة، والمساعدة في تطوير مصارف حديثة للأوقاف تتسق مع الضوابط الشرعية وتستجيب لحاجات المجتمع في الداخل والخارج ، ودعم المبدعين والمبتكرين في مجال الأوقاف. وفوق هذا وذاك إيجاد موارد مالية للصرف على الأوقاف، وتطوير نماذج ووثائق الوقف بما يتيح في شرط الواقف وجود نسبة من المال للصرف على الأوقاف.
رأيت عند علي عزت بيجوفيتش في مؤلفه العظيم "الإسلام بين الشرق والغرب" نظرة متقدمة عندما اعتبر الوقف الإسلامي مناقضاً لما يطلقون عليه القوانين الطبيعية للاقتصاد وأنه شذوذ من وجهة نظر الاقتصاد السياسي.


osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]