عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كنت في مجلس مفتي سوريا السابق الشيخ أحمد كفتارو بدمشق صيف عام 1999م، عندما دخل عليه أحد مساعديه وسلمه ورقة، فنظر الشيخ فيها وقال: جاءني الآن أن الشيخ عبد العزيز بن باز قد انتقل إلى رحمة الله، وأثنى على الشيخ بن باز ثناءً طيباً ثم قال: أول لقائي بالشيخ بن باز وحواري معه قال لي: يا شيخ أحمد أنا أسمع أنك صوفي ولكنني وجدتك سلفياً، فأجبته: وأنا أسمع عنك يا شيخ بن باز أنك سلفي ولكني وجدتك صوفياً"!
تذكرت هذا الموقف وأنا انظر في مادّتين وصلتا إليّ منذ وقت قصير؛ الأولى خطبة جمعة بالإسكندرية، والثانية ورقات تحمل عنوان "البيان الشيعي الجديد". والمادتان تقدمان مثالاً جيداً لتحوّلات في الخطاب الإسلامي جديرة بالاهتمام والنظر.
ومجمل ما تضمنته خطبة الشيخ محمود عبد الحميد أحد شيوخ الدعوة السلفية في الإسكندرية أن يكون سعي الإسلاميين لاختيار الرئيس الأنسب لمصر وليس الأصلح، موضحاً ذلك بأن الرئيس الأمثل ديانة قد لا يكون بالضرورة هو الرئيس الأنسب لمصر في هذا الوقت. ويرى الشيخ أن قيادة الدولة تحتاج إلى جناحين؛ أحدهما الديانة، والثاني القوة على إدارة البلاد، مستدلاً بقول الله تعالى : (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، فلابد من الأمرين القوة والدين، أما أن يطير الطير بجناح واحد بجناح الدين دون جناح الإدارة فإن هذا الأمر قد يؤدي إلى فشل المشروع الإسلامي بكليته، وعندما يفشل الرئيس الإسلامي في إدارة البلاد يُحمّل الإسلام ذلك وأنه هو الذي فشل.
ويرى في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية على أرض مصر أن: المعول الأساسي فيها ليس على رئيس الجمهورية وإنما على الدعاة والجماعات الذين يستطيعون أن يهيئوا القاعدة الشعبية لتقبل شريعة الله، والدفاع عنها، والمطالبة بها، وإجبار أي رئيس أياً كان عندما يأتي أن يطبق شريعة الله"، وتابع : أما إذا كانت القاعدة الشعبية ليست معنا، بل منقلبة علينا، ثائرة، فإن تطبيق الشريعة الإسلامية سيكون وهماً من الأوهام حتى لو جاء رئيس مسلم. فالعامل الأساسي في تطبيق الشريعة هو في نشر دين الله، وفي الدعوة إلى الله، وفي الحركة الدؤوب، وفي تبصير الناس.
وخاطب الشيخ الإسلاميين بالقول: إن الضمانة الحقيقية لتطبيق شرع الله ولوجود الدعوة الإسلامية هو اتحادنا وتوافقنا واجتماعنا، لأننا إذا اجتمعنا كنا قوة نستطيع أن نجبر غيرنا على احترامها، ونجبر غيرنا على أن يستمع لنا، ونستطيع أن نجبر غيرنا على ألا يهمشنا أو يرفض مطالبنا أو يهملها أو يجعلها خلف ظهره. محذرا من التشتت والتشرذم والجري خلف كل ناعق في الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات دون أن نوطد دعائم هذا الدين في أنفسنا بالإيمان، والعمل الصالح، ودعوة الناس لقبول شرع الله، والتواصل مع أفراد المجتمع، والبقاء في وسطهم.
لكن الشيخ يؤكد على أن الرئيس القادم لابد أن يكون مسلماً متبنياً للمشروع الإسلامي، مدافعاً عنه، يعمل لأجله، وفي نفس الوقت لابد أن يتمتع بعلم في إدارة الدولة حتى يكون هناك نجاحات يحققها في الجانب المادي يعيننا بها على الجانب الديني. وأوضح قائلا: إن الناس في الفترة القادمة حتى يسمعوا لنا يحتاجون إلى شيء من الدنيا يقدم لهم حتى يستمعوا للدين بعد ذلك، وتابع: "لابد من تقديم خدمات للناس يشعرون معها بشيء من الرخاء حتى يستمعوا لك، إن الآذان الآن صماء عن سماع أي شيء إلا عن أنبوبة البوتاجاز ورغيف الخبز! ... فلا ينبغي أن نكون فتنة للبلاد والعباد، بل علينا أن نراعي مصلحة البلاد والعباد، وأن نقدمها على مصالحنا الشخصية، وليست على مصلحة الأمة، وأعظم مصلحة للأمة هو أن تدين بدين الله عز وجل وأن تحكم شرع الله، كما ينبغي أن نتعامل مع الواقع الموجود، وأن نرتقي إلى هدفنا درجة بعد درجة، وأن نسير إلى الهدف خطوة خطوة، لا نقفز القفزات الواسعة التي ربما تكون فشلا ذريعاً، وإنما ينبغي أن نتحسس خطانا ونحن نسير إلى هدفنا". (انتهى حديث الشيخ).
أما المادة الثانية فهي مراجعة مهمة لمنهج التفكير عند الشيعة بقلم أحمد الكاتب، وهي وجه آخر من وجوه التحولات الماثلة في الساحة الإسلامية، الأمر الذي ينبئ بتغير محتمل، نأمل أن يكون نحو الإصلاح والتجديد. وسوف نعرض لها في مقالنا القادم، ثم نعقب بعد ذلك على النصّين اللذين اخترناهما بعناية، وإلا فما أكثر ما تعج الساحة به من لغو الكلام.
وليس كل كلام قيل معتبراً // إلا كلام له حظ من النظر