عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

استحالة قيام حكومة نظامية في جنوب السودان نتيجة توصل إليها السير ونجت حاكم عام السودان، وكتب عن ذلك في مذكراته. وبعد مائة عام من ذلك التاريخ، هل يبدو الوضع في الجنوب مختلفاً كثيراً؟
ما نزال نوالي عرض الأفكار الخاصة بمشكلة الجنوب التي وردت في مذكرات ونجت حسب ما جاء في تحليل الكاتب الإسرائيلي جبرائيل ويربيرق مؤلف كتاب "السودان في عهد ونجت" والذي ترجمه الدكتور محمد الخضر سالم.
انسجم الشمال خلال القرن التاسع عشر مع الحكومة المركزية، في حين حدث العكس تماماً بالجنوب، فقد جعلت موجات الغزاة المتتالية؛ تجار الرقيق، ومسؤولي الحكومة التركية المصرية، وأنصار المهدي، جعلت الجنوبيين لا يثقون في أي شكل من أشكال النفوذ الأجنبي. ولم تكن السلطات الانجلو مصرية مستثناة من ذلك، إذ قابلها الجنوبيون بعداءٍ سافر. وقد اتضح من البداية استحالة تأسيس حكومة نظامية في الجنوب.
ومهما يكن فإنه كان لزاماً على الحكومة البريطانية رفع علمها في الجنوب في مواجهة المطامع المختلفة للقوى الأوروبية الأخرى. لهذا السبب كما يبدو ذهبت الحملات التأديبية تباعاً إلى هناك. كانت جباية الضرائب وتوسيع قواعد العدالة بمثابة سياسة ثانوية للنفوذ الإنجليزي المصري في الجنوب، حيث القيمة الفعلية للضرائب تافهة ولكنها لإثبات أن الجنوب جزء من السودان الإنجليزي المصري. وقد اتضح لونجت ومعاونيه أنه لا بد من إرجاء التنمية الاقتصادية والتعليم وتأسيس حكومة في الجنوب حتى تتمكن مديريات الشمال من تقديم الدعم المالي اللازم. وبالتالي فإن البديل لحكم الجنوب بخلاف الحكم العسكري المباشر، هو أن يترك الأمر للقبائل لكي تدير شؤونها بنفسها. فقد كان ذلك بالطبع هو أفضل حل في هذا الوقت.
ثمة اعتبارات دولية جعلت الإنجليز يسعون إلى ضم مناطق الجنوب للدولة دون أن يتجشموا صعوبة احتلال تلك المناطق وتركها لسكانها الأصليين في مواجهة النفوذ الفرنسي والبلجيكي. لا بد من وضع ذلك في الحسبان في تقييم السياسة والإدارة في الجنوب خلال تلك الفترة.
لم تكن سياسة حكم القبائل في الجنوب تختلف عن تلك التي في الشمال، وبالتحديد إعادة تأسيس المجتمع القبلي والزعامة القبلية. وبالرغم من تصدع المجتمع القبلي بفعل الغزوات السابقة، إلا أن كثيراً من قبائل الجنوب استطاعت أن تكوِّن مجتمعاتها من جديد بخلاف قبائل الشمال. هذا بالإضافة إلى وجود عدد من زعماء قبائل الجنوب لهم نفوذ ومقدرة على حكم قبائلهم دون أدنى تدخل من قبل الحكومة. فقد كان الحل المنطقي هو استيعاب زعماء القبائل المقبولين للقيام بمهام إدارية. تلك هي في الحقيقة سياسة الحكومة الرسمية ولكنها لم تطبق بكاملها، فقد قاوم زعماء القبائل الذين لهم تأثير قوي الحكام الجدد بكل ما أوتوا من قوة. وبمجرد أن تتغلب الحكومة على هؤلاء يحل محلهم ضعاف الشخصيات ومن ثم يبدأ مسؤولو الحكومة في تولي المهام الإدارية لتلك القبائل. حدث ذلك بالنسبة لقبيلة الشلك في مديرية أعالي النيل التي خُلع زعيمها ونفي إلى الخرطوم. وكذلك قاوم يامبيو زعيم قبيلة الزاندي تأسيس حكم أجنبي في أراضي قبيلته، وقاتل حتى قتل في إحدى المعارك. وتزعزعت الزعامة القبلية في القبيلتين بعد أن أصبحتا تحت زعامة خلفيهما الضعيفين. إن إقامة المراكز العسكرية لم تعد هي الخيار المناسب لسياسة الحكومة في الجنوب بل أصبح الحل الوحيد هو أن تترك تلك القبائل وشأنها. ولكن الاعتبارات السياسية الدولية أملت على الحكومة سياسة جديدة، ونتيجة لذلك استمر تمزق المجتمع القبلي. أما القبائل التي تعيش بعيداً عن المراكز الحكومية فقد استمرت تنعم بالاستقلال لعدة سنوات، إذ لم تخضع قبائل البير والأنواك التي تعيش في منطقة الحدود الحبشية لسيطرة الحكومة إلا في عام 1912م، ولم تسلِّم قبيلة النوير القوية إلا في الثلاثينات 1930م، وهكذا أدت السنوات السبعة عشرة الأولى للحكم الإنجليزي المصري في الجنوب إلى ازدياد تفكك المجتمع القبلي، دون أن تحل محله سلطة قبلية تتبع لإدارة دائمة.
كانت الحكومة تدرك أن التنصير الذي تقوم به الإرساليات عمل مضاد لانتشار الإسلام. وقد أمرت في عام 1904م حاكم بحر الغزال بأن لا يفتتح مدرسة حكومية هناك خوفاً من أن يؤدي تعليم اللغة العربية إلى انتشار الإسلام. ولكن لم تتبلور سياسة نشطة معادية للإسلام إلا في عام 1910م. ويتزامن ذلك التاريخ مع تاريخ تسليم مقاطعة اللادو التي مكنت السلطات البريطانية لأول مرة من الاهتمام بمشكلة الجنوب دون أن تحسب حساب التعقيدات الدولية. وفي عام 1910م صدرت تعليمات غير رسمية إلى حاكمي منقلا وبحر الغزال بإدخال اللغة الإنجليزية في المدارس، وإحلال اللغة الإنجليزية محل اللغة العربية في التعامل مع المواطنين. وفي نفس الوقت أصبح يوم الأحد الذي كان عطلة نهاية الأسبوع في مقاطعة اللادو ـ خلال الحكم البلجيكي ـ أصبح عطلة رسمية في مديرية منقلا ثم في المديريات الجنوبية الأخرى. وأخيرا نُظِّمت الكتائب الاستوائية للتغلب على تأثير الأسلمة التي يقوم بها الجيش المصري. واتُخذت كل تلك التدابير بصورة عشوائية دون تحديد أهداف الحكومة بوضوح في تلك المديريات. ولم يكن هناك ما يثبت أن انفصال الجنوب عن الشمال كان في الحسبان خلال سنوات حكم ونجت. ولكن على أية حال ليس هناك شك في أن سياسة الحكومة الدينية قد مهدت إلى ظهور أفكار انفصالية فيما بعد وصعدت مشكلة الجنوب التي كانت موجودة من قبل الاحتلال الإنجليزي المصري.