حقق المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة خطوة مهمة يتجاوز بها بعض المشكلات التي برزت في الفترة الأخيرة  عند دخول شهر رمضان أو خروجه أو دخول شهر ذي الحجة.  وقد أرجع بيان للمجمع صدر مساء الاثنين 13 فبراير زيادة الخلاف في ثبوت الهلال ورؤيته إلى ظروف الآفاق المحيطة بالكرة الأرضية التي أصبحت ملوثة بالكثير من الأبخرة والغازات والسحب الدخانية ، مما جعل التلوث في الجو يصل إلى مستويات عالية, إضافة إلى التلوث الضوئي وكثرة الطائرات والأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء وتعكس الأضواء.
وأوصى البيان بالاستفادة مما يسره الله من تقدم كبير في علم الفلك وحساباته ومراصده -  تمحص فيها وجهات النظر المختلفة للوصول إلى حلول ناجعة.
وشهد «المؤتمر العالمي لإثبات الشهور القمرية بين علماء الشريعة والحساب الفلكي» في المدة من 19-21 ربيع الأول 1433هـ التي يوافقها 11-13 فبراير 2012م مناقشات جادة، واطلع المجتمعون على أربعين بحثاً علمياً قدمها نخبة من العلماء الشـرعيين والفلكيين من هيئات شرعية, وجامعات, ومراكز أبحاث متخصصة، وتوصل المؤتمر إلى النتائج الآتية:
أولاً: الأصل في ثبوت دخول الشهر القمري وخروجه هو الرؤية, سواء بالعين المجردة أو بالاستعانة بالمراصد والأجهزة الفلكية, فإن لم ير الهلال فتكمل العدة ثلاثين يوماً.
ثانياً: أن ترائي الهلال واجب كفائي؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به. يؤيد ذلك: فعله صلى الله عليه وسلم وتقريره.
ثالثاً: يجب أن تتوافر في الشاهد الشروط المعتبرة لقبول الشهادة, وأن تنتفي عنه موانعها, وأن يتم التثبَّت من حدَّة نظر الشاهد ، وكيفية رؤيته للهلال حال الرؤية، ونحو ذلك مما ينفي الشك في شهادته .
رابعاً: أن الحسـاب الفلكـي علم قائم بذاته, له أصوله وقواعده, وبعض نتائجه ينبغي مراعاتها؛ ومن ذلك معرفة وقت الاقتران, ومعرفة غياب القمر قبل غياب قرص الشمس أو بعده, وأن ارتفاع القمر في الأفق في الليلة التي تعقب اقترانه قد يكون بدرجة فأقل أو بأكثر.
ولذلك يلزم لقبول الشهادة برؤية الهلال ألا تكون الرؤية مستحيلة حسب حقائق العلم المسلمة القطعية حسب ما يصدر من المؤسسات الفلكية المعتمدة، وذلك في حالة عدم حدوث الاقتران، أو في حالة غروب القمر قبل غياب الشمس.
خامساً: تكون رؤية الهلال للأقليات الإسلامية في البلد الواحد في بعض المناطق والأقاليم رؤية لبقيتهم عملا على توحيد صومهم وفطرهم.
سادساً: بالنسبة للبلاد التي فيها أقليات إسلامية , ولا يمكنهم رؤية الهلال لسبب من الأسباب، فإن عليهم الأخذ برؤية أقرب بلدٍ إسلاميٍ, أو أقرب بلد فيه جالية إسلامية, صدر ثبوت الهلال فيه عمن يمثلها من المراكز الإسلامية ونحوها.
سابعاً: أن إثبات بدايات الشهور القمرية فيما يتعلق بالعبادات مسألة شرعية فهي من مسؤولية علماء الشريعة المخولين من قبل جهات معتمدة أو ما في حكمها, وأن مسؤولية الفلكيين و الجهات الفلكية تقديم الحسابات الفلكية الدقيقة بشأن ولادة القمر وموقع الهلال, وتقدير ظروف الرؤية لأي موقع على سطح الكرة الأرضية، وغيرها من المعلومات التي تساعد الجهات الشرعية المختصة في إصدار القرار الدقيق الصحيح.
ثامناً: الشريعة لا تمنع من الاستفادة من العلوم الحديثة, كالحساب الفلكي بمستجداته، وتقنيات الرصد المتقدمة، ونحوها، في مصالح الناس ومعاملاتهم, فالإسلام لا يتعارض مع العلم وحقائقه.
تاسعاً: إذا ثبت دخول الشهر من جهة شرعية واعتمده ولي الأمر في الدولة الإسلامية فلا يجوز الخوض أو التشكيك فيه بعد صدوره, لأنه من المسائل الاجتهادية التي يرفع فيها الخلاف بحكم الحاكم .
عاشراً: حث الحكـومـات الإسـلاميـة على الاهتمام بوسائل الرؤية وتخصيص هيئات للترائي.
حادي عشر: يوصي المؤتمر رابطة العالم الإسلامي بتكوين هيئة علمية من علماء الشريعة, وعلماء الفلك المتخصصين للنظر في جميع البحوث والدراسات في كلا المجالين؛ والتي قدمت في اللقاءات والندوات والمؤتمرات التي انعقدت لبحث هذا الشأن, وما صدر عن المجامع الفقهية وهيئات كبار العلماء ومجامع البحوث الإسلامية.
وتحرص على الوصول إلى اتفاق في توحيد بدايات الشهور القمرية, واعتماد مكة المكرمة مركزاً للرصد الفلكي وإصدار تقويم موحد للتاريخ الهجري وأن تنسق الرابطة مع جهات الاختصاص الشرعية والفلكية في العالم الإسلامي, ويكون مقر هذه الهيئة رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة قلب الإسلام النابض بالخير والبركة.
وتكوّن الهيئة من مجامع الفقه في الدول الإسلامية وأجهزة الفتوى فيها؛ أو من يرشحونهم من أهل الاختصاص في مجالات العلم الشرعي وعلوم الفلك, ومن ثم يعرض ما تتوصل إليه وما صدر عن هذا المؤتمر على المجمع الفقهي في الرابطة. (انتهى ما ورد في بيان المجمع).
وإذا كان من تعليق على هذا المؤتمر ونتائجه، فإن الحوار المفتوح بين أصحاب التخصص الشرعي وبين الفلكيين قد أثمر تفهم كل طرف للطرف الآخر ، وأقر العلماء الفلكيون أن رصد حركات القمر يعدّ من أصعب البحوث الفلكية على الرغم من تقدم المراصد والمناظير ومع إمكانية رؤية ميلاد الشهر في لحظته بوضوح عن طريق الأقمار الصناعية، وأن اختلاف المعايير المستخدمة بين علماء الفلك هو الذي يوقع الاختلافات بينهم. وكان بعض الفقهاء قد أشاروا في بداية الجلسات إلى أنهم يزدادون شكاً وتشتتاً في الحساب الفلكي كلما اقتربوا من الفلكيين. وفي المقابل تساءل الفلكيون أنه ما دام حساب ولادة الهلال وحساب موقعه في أي لحظة ممكناً ومتاحاً بدقة لا يرقى إليها الشك من الناحية العلمية التطبيقية، فلماذا الاقتصار على رؤية الهلال بالعين المجردة؟
حضر المؤتمر من السودان الأستاذ الدكتور عبد الله الزبير الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي والأستاذ الدكتور عصام أحمد البشير، وحضره أيضاً من مجمع الفقه الإسلامي الدولي الأستاذ الدكتور أحمد خالد بابكر. كما حضر المؤتمر الفلكي الماليزي المعروف محمد إلياس الذي ينسب له اكتشاف خط الرؤية.
ولن يتوقف النقاش حول الأهلة ، فهو نقاش ممتد عبر الأجيال، وقد كتبت آلاف الصفحات ومئات البحوث حول هذه المسألة، واختلاف العلماء رحمة وتوسعة للأمة.

نقلاً عن صحيفة الرأي العام السودانية 15 فبراير 2012