نعم، توجد فجوة معلومات بين الحكومة والشعب. هذا ما أكده من جديد اللقاء الخاص مع السيد الرئيس عمر البشير أمسية الجمعة. وقد عبّر عن ذلك في عفوية مقدم اللقاء الأستاذ الطاهر حسن التوم  عندما علّق  على حديث الرئيس عن تقرير المراجع العام بقوله: «والله الكلام ده أول مرّة أسمع به»!
وفي كل الموضوعات التي تناولها هذا اللقاء المهم وردت معلومات أساسية جاء تمليكها للجمهور، موضحاً للكثير من الأمور الملتبسة في أذهان المواطن. فهناك معلومات كانت غائبة في موضوع النفط والعلاقة مع دولة الجنوب .وكذلك الوضع الاقتصادي والتشكيل الوزاري الأخير، وحتى تقسيم ولايات دارفور وقضية المناصير.
ويتساءل المرء: هل توجد خطة محدّدة للجهاز التنفيذي في التعاطي مع تداول المعلومات ، ذلك أن إتاحة المعلومات، فوق أنها حق أصيل، فهي ضرورة لا غنى عنها في ظل التشويش الخطير والخلط المتعمد الذي يلجأ إليه الإعلام المعادي.
ولا أعلم إن كان هناك قانون لتداول المعلومات في السودان، ومبلغ علمي أنه حتى العام 2007م ، كانت هناك دولة عربية واحدة فقط لها قانون للمعلومات. وبالطبع ليس هناك قانون للمعلومات السرية ، فكل المعلومات مصنفة على أساس أنها محظورة وسرية ما لم يأذن بها (ناطق رسمي).
ربما أن السبب في فجوة المعلومات أيضاً، أسلوب تعاطي الإعلاميين مع المعلومة، فهم يكتفون بوضع المايكرفون أمام المسؤول ليتحدث، وفي كثير من الأحيان دون توجيه سؤال محدد. والوزير يهمه أن يتحدث بما يفكر به هو بغض النظر عمّا يهم المواطن. وليس كل المسؤولين لديهم حس إعلامي ليعرف ما يفيد المواطن وما يوجهه الوجهة الصحيحة، بل في كثير من الأحيان لا يعرف المسؤول مغزى ما عنده من خبر أو مدى حاجة المواطن إليه. والمسؤولون لأنهم في بيئة عمل مشبعة بالمعلومات يفترضون أن ما لديهم موجود بالبديهة لدى مواطنيهم.
والدليل على ما أقول أسلوب صياغة الأخبار في الإذاعة والتلفزيون وفي وكالة السودان للأنباء، بالإغراق في أخبار الروتين الحكومي و(التغطيات) التي هي عبارة عن تصريحات للوزراء والمسؤولين عن منجزاتهم.
منذ سنوات كنا في اللجنة الاستشارية للأخبار والشؤون السياسية في التلفزيون، وتقدمت إلى تلك اللجنة بمقترح أن تتضمن النشرة (مقتطفات لفظية) ولقطات حوارية لأن النشرة كانت (صامتة) في ذلك الوقت.  نشرة الأخبار أسرفت بعد ذلك في تقديم المقتطفات اللفظية ، ولكنها صارت مجرد كلام لا يقول شيئاً، بل صارت صورة المسؤول الذي يحتضن المايكرفون هي البصمة التقليدية للأداء الإخباري لدينا. الخطاب الإعلامي عامة والتلفزيوني خاصة نسق تفاعلي مركّب يجمع اللساني والرمزي (الأيقونة) ، وتتضافر العلامات اللغوية وغير اللغوية لإحداث التأثير المتوقع للقارئ أو المستمع أو المشاهد.
وما نريده لخطة تقديم المعلومات أن تتضمن أيضاً كيفية الخطاب الإعلامي شكلاً وأسلوباً، فالإعلام الغربي مثلاً جاذب ومؤثر لأنه يعتمد ( النمذجة ) ، أي تقديم الأخبار والآراء والمعلومات عبر قصص إنسانية وبأساليب متجددة مثل الحوارات مع الابتعاد قدر الإمكان عن التجريد، وإذا وردت مقاطع لفظية فهي بالضرورة مكملة للصورة ( كلام صورة ) ، وهناك انسجام بين إيقاع الصورة وإيقاع الصوت.
وبرامج الإعلام المؤثرة هي التي تراعي تضمين أي محتوى إعلامي قيماً معرفية وتربوية ، وابتداع الطرق المبتكرة ، بما في ذلك البرامج الفنية والترفيهية بهدف حفز الجمهور على اتباع السلوك الصحيح. وعملية تضمين التثقيف مع التسلية في رسالة هادفة ليست جديدة على تراثنا القديم ، بل لها أصل في (أحاجي الحبوبات) في السودان وفي التراث العربي في مثل قصص ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة.
ومن أسباب فجوة المعلومات بين الحكومة والشعب تأخر وصول المعلومة للمستفيد في وقتها المناسب ، وقد تأتي المعلومة الصحيحة ولكن متأخرة بعد أن تسممت الأجواء بمعلومات فاسدة ومختلقة، مما يجعل التصدي للتصحيح أمراً بالغ الصعوبة. ولعلنا في هذا المقام نحيي ما بشّرت به وزارة الثقافة والإعلام والاتصالات بنهر النيل وشروعها في اتخاذ قرارات وموجهات إدارية محكمة تلزم بموجبها الوزارات الولائية والهيئات الحكومية ومتخذي القرار بإتاحة المعلومات وتمليك الحقائق للصحافة مجردة دون تحفظات أو قيود. وجاء في الأخبار أن أحمد محمد الحسن الأموي وزير الثقافة والإعلام بنهر النيل كشف عن جملة من القرارات التي تعتزم أجهزته اتخاذها لتمكين منسوبي العمل الصحفي من أداء رسالتهم واحتواء ما يعترض تدفق المعلومات من صعاب، وإعلانه المصادقة الفورية على قيام مركز إعلامي صحفي دائم بالولاية مزود بكافة تقنيات الاتصالات الحديثة، لربط الصحافيين بمؤسساتهم، متعهداً بقيام منابر صحفية راتبة لتمليك المعلومات والحقائق لطالبيها وتنوير الرأي بمستجدات القضايا.
هذه خطوة تستحق الإشادة والدعم، على الرغم من توقفنا عند حكاية (تمليك الحقائق مجردة دون تحفظات أو قيود)، ففيها تزيّد ولا نعرف لها سابقة في تجارب الأولين.
إننا نحتاج إلى جعل الإعلاميين وخاصة الصحافيين شركاء في بناء الأمة، ولنشعرهم أنهم يعملون مع السياسيين لا للسياسيين، ومسؤوليتهم نقل الأخبار الصادقة  والمعلومات الصحيحة من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، مراعين عكس حاجات المواطن وتطلعاته وأفكاره إلى قمة الجهاز التنفيذي والتشريعي والسياسي.
بهذا يكون الصحافيون كما نريدهم حراساً للشفافية وجنوداً لمحاربة الفساد، وقوة دفع للتحول الديمقراطي.

osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]