من عاداتي التي لا أسأم منها كتابة يومياتي. وفي السنوات الأخيرة حيث بدأت الذاكرة تخف؛ أجد ضرورة لتسجيل ما يقع لي، فذلك "أقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا". وفي الأسطر التالية أختار بعضاً مما سجلت خلال عام 2011م، أنقله كما كتبته:
الأربعاء 2 مارس:
التقيت بمنزل أحد الزملاء الناشر الجزائري رضا رحموني صاحب دار عالم الفكر. حدثنا عن نهم الغربيين للقراءة وأنه لما حضر معرض نيويورك للكتاب العام الماضي وجد الناس ( عاملين دور) أي مصطفين في عشرات الصفوف ولما سأل عن ذلك قالوا له : هذا هو بيع الكتب بتوقيع الكاتب. قال: تساءلت في نفسي : لو أنني أتيت بالمؤرخ الجزائري الكبير (عبد الكريم يس) ... أكان الجزائريون والعرب يحرصون على أخذ توقيعه وشراء كتبه؟ لقد طبعت من كتاب (تاريخ الجزائر الثقافي) ثلاثة آلاف نسخة ولم أتمكن من بيعها منذ سنوات. إن متوسط ما يقرأه الأمريكي ثمانية كتب في السنة ، ويأتي الألمان بعدهم ، إذ قدرت مبيعات ألمانيا من الكتب في السنة الماضية بـأحد عشر مليار يورو! أما العربي فمتوسط ما يقرأ سطر ونصف. لا بد أن نذكر أن القراءة الجماهيرية للكتب في الغرب إنما هي للكتب الرخيصة وكتب التسلية والروايات وليست قراءة جادة، ومما يجعل الغربيين يدمنون القراءة حياتهم الاجتماعية القائمة على العزلة وعدم اختلاط الناس بعضهم ببعض.
الجمعة 4مارس :
أجريت مراجعة شاملة لمكتبتي في البيت عقب دهان الحائط فوجدت بعض الأوراق التي كنت أبحث عنها، ومنها سيناريو وضعته منظمة هولندية اسمها I K V PAX CHRISTIE بعنوان  Sudan 2010 Scenario وقد تكهنت المنظمة بأربع احتمالات لسودان ما بعد استفتاء الجنوب : وحدة + حرب ، انفصال + حرب ، وحدة + سلام ، صوملة.
الجمعة أول أبريل:
رجعت من مدينة الرياض بعد مرافقة الدكتور حسن مكي مدير جامعة إفريقيا ، وفي صالة السفر بمطار الرياض حيث جلست أنتظر الإعلان عن قيام رحلتي وجدت ركناً للقراءة ، فتناولت كتاباً لمسعود الندوي الذي زار الرياض في عام 1949م. في الكتاب وصف شائق للمعاناة التي وجدها الندوي أول دخوله الرياض في العثور على مكان يؤويه، إذ لم تكن ثمة فنادق أو منازل للإيجار، ولما فشل في إيجاد مكان يبيت فيه لجأ إلى سكرتير ولي العهد الذي هيأ له مقابلة الملك، ليستضاف في الضيافة الملكية، وشفع له أنه حمل مطبوعات من تأليفه أهداها إلى ولي العهد من بينها كتاب عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وتحدث المؤلف عن أكبر مساجد الرياض حيث كان الناس يسجدون على حصباء لعدم وجود فرش. ولما لم يجد طريقة للسفر إلى مكة مع الملك تدخل ولي العهد بنفسه مرّة أخرى ليحمله في سيارة البريد... أين مدينة الرياض الحالية في فخامتها وضخامتها التي تضاهي أو تفوق المدن الأوروبية!
أثناء انهماكي في القراءة جلس إلى جواري شاب يعبث بهاتفه الجوال، قلت للشاب : لماذا لا تستفيد من جلوسك وتأخذ كتاباً تقرأ فيه، فقال لي: ولكني لا أحب القراءة، سألته: ولماذا لا تحب القراءة ؟ فأجاب: الله ما أعطاني في القراءة، ولكنني شجعته بقولي ولكن الله هو الذي أمرنا بالقراءة وعلينا أن نطيعه. فقام الشاب وتناول كتاباً يقرأ فيه وهو يندب حظه الذي أجلسه إلى جانب هذا "الزول" الشيبة!
الجمعة 6 مايو
خطبتا الجمعة لعصام البشير في مسجد النور وعبد الجليل النذير الكاروري في مسجد الشهيد اليوم تناولتا ثلاث موضوعات هي أسبوع المرور والمصالحة الفلسطينية واغتيال بن لادن، بنفس الترتيب (اتفاق عجيب ولعل هذا من باب وقوع الحافر على الحافر). واستطاع الشيخان العالمان أن يتناولا الموضوعات الثلاثة ببراعة وإتقان، سوى أن قراءة عبد الجليل من بعض القصاصات يخرج بإيقاع خطبته دائماً من خطبة جمعة إلى لغة التعليق السياسي. رجوت شيخي عبد الجليل ذات مرّة أن يعدل عن أسلوب قراءة القصاصات، وكأنه لم يقبل مني هذا الرجاء.
تحدث خير الله حسيب رئيس مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية إلى محمد هاشمي الحامدي ، فسأله الهاشمي عن السودان وكيف بقيت الخرطوم من أهدأ العواصم العربية في ربيع الثورة العربية ، فكان رد حسيب : الرئيس البشير منفتح ، وفي الخرطوم توجد حريات وهناك حوار مستمر مع الأحزاب ، وهم لديهم دستور جديد ، وانتخابات تشارك فيها الأحزاب الأخرى ، ولا وجود هنالك للتأزم الموجود في الدول العربية الأخرى. وقال حسيب إن الثورات العربية غطت على مسألة انفصال الجنوب الذي كان من الممكن أن يحدث توتراً .
الهاشمي علّق على كلام ضيفه قائلاً إن صديقاً سودانياً قال له إن التغيير الوحيد الذي نجم عن الثورات العربية في السودان أن شرطة المرور صارت ألطف من ذي قبل في التعامل مع سائقي المركبات!
الجمعة 22 رجب 24 يونيو
قرأت في مجموعة قصصية لأحمد الطيب زين العابدين قصة جميلة بعنوان "حجة ونيس"، ومن رأيي أن هذا من أجود ما قرأت، وفيها وجدت عبارة "الما قرا ابن عاشر دوت لا يشق الفاشر". أما ابن عاشر فهو العلامة أبو محمد عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله تعالى صاحب المتن المشهور؛ المرشد المعين على الضّروري من علوم الدين.
الخميس 7 يوليو:
سئل مايكل وايز صحفي أمريكي: ما مدى أهمية الحصول على شهادة جامعية كي يعمل المرء صحافياً؟ فأجاب: ليس للأمر أهمية مطلقاً. الصحافة ليست بالأمر الذي يمكن دراسته وإنما يتعلمه المرء من خلال الممارسة؟
الجمعة 16 سبتمبر:
"إن ضاع فقير بين ظهراني موسرين حَرجُوا من عند آخرهم وباؤوا أعظم المآثم" هذه العبارة من الإمام الجويني في غياث الأمم عند التياث الظلم، أردت أن أستهل بها ورقة العمل التي أرسلتها هذا الأسبوع إلى ديوان الزكاة بطلب منهم للمشاركة في حلقة بحثية، ولكن اللجنة التي أشادت بالورقة طلبت حذف هذا الاستهلال المزعج.
نشر اليوم الجزء الأول من حوار الأهرام مع محمد حسنين هيكل في ثلاث صفحات شارك فيه سبعة من كبار الصحفيين في الأهرام. لم يكن حواراً بالمعنى بل تداعيات في الحديث عن الثورة المصرية. من أقواله: الشرطة جرى إقحامها في علاقة عداء مع الناس.. الدساتير تصوغها أفضل العقول، ولكن تطبقها أسوأ الغرائز.. الظروف التي مرت بها مصر في السنوات الثلاثين الأخيرة على وجه الخصوص، لم تؤد إلى جفاف بحر السياسة فحسب، وإنما أدت إلى ضحالة شديدة في كل شيء، بما في ذلك كفاءة الإدارة التنفيذية .. وتساءل إن كان ممكناً الاستعانة بخبرات أجنبية كما فعل محمد علي باشا من قبل في مشروع القناطر الخيرية وجمال عبد الناصر في مشروع السد العالي.. القوات المسلحة في هذه اللحظة قوة وحيدة تقف حاجزاً بين مصر وبين الفوضى الشاملة، والحفاظ على الكيان الوطني سابق في جدول الأولويات عما عداه..
السبت 24 ديسمبر:
رجعت مساء من جولة في أرخبيل الملايو. ولفارق التوقيت وطول رحلة الإياب اضطربت مواعيد النوم لدي كما يحدث عادة في مثل هذه الأحوال. ظلت متابعتي خلال تلك الجولة لأخبار الوطن وأخبار المنطقة العربية ضعيفة إن لم تكن معدومة، ويبدو أن كل منطقة من مناطق هذا العالم مشغولة بقضاياها وأحداثها، وفي دول الآسيان لا تفتح محطة تلفزيونية إلا وتطالعك أخبار الفيضانات في الفلبين وتغطيات لموت الزعيم الكوري. واشتكت إحدى الأخوات خلال محاضرة قدمتها في الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا أنها لا تستطيع متابعة قناة عربية أو إسلامية غير قناة واحدة للدراما العربية وتتمنى أن يسمع أطفالها حرفاً عربياً، أما الصحف والمجلات العربية فلا تكاد تجد شيئاً منها على الإطلاق.
عند الساعات الأولى من صباح الأحد حيث بقيت مستيقظاً، أخبرتني ابنتي هند التي تقيم الليل في "الانترنت" بخبر مقتل الدكتور خليل إبراهيم.

osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]