منذ أسبوع جاء إلى الدنيا أول حفيد لي. شيء عادي يحدث في أغلب العائلات ، ومجرد موضوع شخصي لا يمكن أن تصنع منه حبكة أو شأناً اجتماعياً عاماً!
ولكنني في اللحظة التي نقلت فيها النظر بين وجه الطفل البريء وبين وجه الأم (ابنتي) ، كان يمرّ أمامي شريط سريع لربع قرن من الزمان.
هكذا تبحر سفينة العمر في بحر الحياة، دون أن نحس بأننا نتغير، ثم تأتي هذه اللحظة وأمثالها فتنبهنا إلى (الباقي من الزمن). ننظر في وجوه الأولاد والحفدة ، ونتأمل وجوه أقراننا وزملاء دراستنا لنحس بالعمر الحقيقي. تقابل شخصاً زاملك في مرحلة مبكرة وظللت تحمل له في ذهنك صورة صبي نضر ، فيفاجئك كهل علا الشيب رأسه وترك الزمن خطوطاً على وجهه... الزمن الذي يُبلي كل جديد، ويقرب كل بعيد...
أشاب الصغير وأفنى الكبير ** مرور الليالي وكرّ العشيّ
إذا ليلة هرّمـت يومها *** أتـى بـعد ذلك يوم فتيّ
ترى كيف تكون الحياة التي سوف يعيشها حفيدي هذا إذا مدّ الله في الآجال؟ لا شك أن أساليب الحياة تتغير، ألم يتغير الكثير بين جيلنا وجيل آبائنا ؟ آباؤنا دخلوا دنياهم في بواكير العمر، تزوجوا في نهاية العقد الثاني من العمر، أو في أول العشرين، ولما بلغوا الستين كانوا قد أنجزوا كل مشاريعهم الشخصية؛ من زواج وبناء الدار وتعليم الأولاد وأداء فريضة الحج، ثم تهيأوا بعد ذلك للتقاعد أو ما يسميه البعض بالعمر الثالث.
يقول صاحبي : حقاً، عندما صار والدي في الستين كان قد أنجز ما أنجز، وأنا كما ترى ما أزال أتعلم الكمبيوتر! جيلنا هذا مكتوب عليه أن يستمر في القوة العاملة وقتاً أطول، ولذلك نلح في المطالبة بجعل سن المعاش في الخامسة والستين وربما طالبنا برفعه إلى السبعين، على عكس الأوروبيين الذين يطالبون بتخفيض سن المعاش. نحن عشنا فترة التحوّل فأصيبت ساعتنا البيولوجية باختلال، وصار لدينا اختلال في تقدير الزمن.
ربما أن حفيدي يدرك اكتشافات الهندسة الجينية التي يتوقع لها أن تقلب كثيراً من الموازين وتؤثر في أساليب العيش فوق هذه الأرض. إنهم يتحدثون في بعض المراكز البحثية عن إمكانية إطالة العمر بترميم وتجديد الخلايا وبتطوير الطب ضد الشيخوخة، ويتصوّر العلماء أن عمر الإنسان قد يصل إلى (400 سنة) ، تخيل! يبدو أن هذا هو التعويض الوحيد الذي يؤمل فيه الجيل الجديد الذي يقضي وقتاً أطول في التأهيل الدراسي والتدريب المطلوبين لتأمين النجاح الوظيفي في الحياة العملية.
ومهما يكن فإن العمر لا يقاس بالسنوات التي يعيشها الإنسان، وإنما بما يحقق من النفع وما يترك من الأثر الباقي.
هناك أعمال صالحة ثبت أنها تطيل العمر دون هندسة جينية أو خلافها، كما ورد في صحيح الحديث أن من يصل رحمه يثيبه الله تعالى ويجزيه بأن يُنسأ له في عمره ، ويُوسّع له في رزقه جزاءً له على إحسانه. العمر يباركه الله ويزكيه بإنجاز الخير وعمل الصالحات.
لنتذكّر أن محمد أحمد المهدي وحسن البنا قد فرغا من إنجاز ذلك التاريخ الزاخر وهما في الأربعين من العمر. ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وستين من العمر أنجز ذلك الانقلاب الضخم في الحياة البشرية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين، وأقلُّهم من يجوز ذلك }.
طريفة:
قال رجل للفضل بن مروان: ( كم سنك؟ ) قال: ( سبعون )، ثم سأله بعد سنين، فقال: ( سبعون ) ! فقال: ( ألم تخبرني منذ عشرين سنة بهذا؟! ) قال: ( بلى، ولكني رجل ألوف، إذا ألفت سنة؛ أقمت فيها عشرين سنة، لم أتجاوزها إلى غيرها )!

نقلاً عن صحيفة السوداني
osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]