استرعى نظري ما كتبه أندرو ناتسيوس منذ يومين تعليقاً على (استقلال) دولة جنوب السودان ، مبدياً  إشفاقه على مستقبلها. فقد نشر المبعوث الأمريكي السابق في السودان مدونةً عنوانها : جنوب السودان تحالف إستراتيجي جديد.
وأهم ما حملته المدونة رأي الكاتب في أن 9 يوليو قد وضع علامة على نهاية رسمية للهيمنة الثقيلة التي مارستها الولايات المتحدة والدول الأوروبية على السودان في دارفور عن طريق المنظمات غير الحكومية  والجماعات الدينية ، لأن الجنوب تصبح الآن دولة مستقلة ، وبذلك ينزاح عبء عن كاهل الحكومة السودانية.
ويرى أن الجنوب يواجه تحديات عويصة بمؤسسات حكومية ضعيفة وفساد وارتفاع معدلات الأمية، واقتصاد كفاف. ولكن دولة الجنوب لديها قدرة على أن تصبح قوة اقتصادية ذات شأن في شرق إفريقيا. واقتصاد الجنوب يبشر بمرحلة ازدهار مع تدفق عائدات النفط ، وعودة الشتات الجنوبي لبناء المنازل وإقامة الشركات ، ودخول الشركات الدولية للاستثمار في موارد الجنوب الهائلة.
ناتسيوس غير متفائل في قيام دعم مباشر لاقتصاد الجنوب ، بسبب الأزمة المالية في واشنطن وبروكسل. ولكنه يدعو إلى قيام إستراتيجية للتحالف الاقتصادي عبر برنامج لإعادة الإعمار والمساعدات العسكرية. ويركز على الاتفاقيات الأمنية بين دولة الجنوب وحلف شمال الأطلسي أو بينها وبين الولايات المتحدة والدول الأوروبية. إن وجود اتفاق من هذا النوع سيكون موضع ترحيب من الجنوب بحيث تصبح أي هجمات على الجنوب هجوماً على حلف الأطلسي ، وفي ذلك إشارة واضحة مستقبلاً إلى ما تواجهه الحكومة في الخرطوم إذا ما هاجمت الجنوب. ورأى ناتسيوس أن يتضمن هذا الاتفاق تقييداً للمتشددين بين الجنوبيين الذين يطالبون الجمهورية الجديدة بشن هجوم على الشمال لإزالة نظام الخرطوم.
إن ما يدعو إلى قيام هذا التحالف مع دولة الجنوب ـ يقول الكاتب ـ هو وجود أهداف مشتركة معها ؛ أيديولوجية وسياسية ، ولوجود مصالح مؤكدة للغرب.
ويختم ناتسيوس مقالته بالتعبير عن الخوف من "أن الحكومات الغربية لديها تاريخ في استلال الهزيمة من غار النصر والتفريط في لحظة تاريخية كهذه" يعني استقلال الجنوب، قائلاً: "ليس هذا هو وقت إعلان النصر... يجب علينا عدم تكرار الخطأ في جنوب السودان"! وكما يقال ، فهذا هو بيت القصيد، بل في الحقيقة هو جوهر المقال والباعث عليه!
ونقول تعليقاً على ما قاله ناتسيوس بخصوص نهاية الهيمنة الأمريكية على سياسة السودان في دارفور: صدقت ، فإن اللحظة قد حانت لتعامل جديد مع القوات الإفريقية في دارفور ومع التدخل الأممي بشكل عام في ظل نجاح خطة السلام وتوجه أبناء السودان إلى أخذ زمام المبادرة بأيديهم.
وقد عبّر عن هذا موقف المكتب القيادي للمؤتمر الوطني (الخميس) برفض تام لقرار مجلس الأمن الأخير حول تمديد ولاية بعثة اليونميد بدارفور لعام آخر ، واعتبار القرار تجاوزًا لكل ما تم الاتفاق عليه ، وإنه يأتي في وقت تتحسن فيه الحالة الأمنية وتحقيق السلام في دارفور وإنفاذ اتفاق السلام الشامل ونشأة دولة الجنوب بمساعدة واعتراف الحكومة. ولكننا نبدي الاستغراب من موقف الحكومة الذي أعلنته وزارة الخارجية بقبولها القرار.
أما عن حرص ناتسيوس على ما يسميه التحالف الاستراتيجي مع جنوب السودان ، ففي تقديرنا هو جزء من السعي المحموم للولايات المتحدة وحلف الأطلسي في السيطرة على الموارد الاقتصادية والاستحواذ على مقدرات الشعوب. ولا ينطلي علينا قوله من أن حكومة الخرطوم ذات التوجه العربي الإسلامي تخشى وجود "دولة مسيحية قوية في الجنوب.
جوهر الصراع في العالم اليوم هو صراع على الموارد ، ويقلق القوم تنافس الصين ودخولها في خط الاستثمار مع الدول الإفريقية بما يمكنها من تحدى السياسات الغربية أحياناً! والإسلام والمسيحية وإثارة النعرات لا تعدو أن تكون محفزات لسياسة الاستغلال المرجوة.
ليس في وارد الغرب الآن أن يقدم دعماً للجنوب ، وليس في مقدوره أن يفعل الآن ، وأمريكا تجاوزت ديونها سبعة وعشرين تريليون دولار ، أي ضعف دخلها القومي ، وهى لهذا بحاجة إلى مصانعة الصين لفترات طويلة ، فالصين أكبر دائنيها وأكبر مستثمر في سندات الخزينة الأمريكية ، والأهم أنها ستغدو في خلال سنوات، أكبر اقتصاد عالمي ، وهو أمر تعنو له جباه القوم !
إن ما يبطل كيد هؤلاء أن نحرص على جوار رشيد مع دولة الجنوب ، يتأسس على تبادل المصالح المشتركة. وضخامة الموارد وضعف الدولة مفضٍ في النهاية إلى صدام كما يجرى في الكونغو منذ أكثر من نصف قرن . ولا تستبعد أن يأتي في غدٍ أكبر الفصائل مستجيرًا من ظلم أمريكا. وستكون خطيئة الخطايا التورط في صراع عسكري ، لن يغنى فيه العدد الضخم الذي أورده ناتسيوس في مدونته عن جنود دولة الجنوب (150) ألف ، وهى مبالغة محسوبة ! وستجرى دماء عزيزة. ولن نستغرب استمرار الكيد وسوء النية... وإن كيدهم لتزول منه الجبال!

osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\\\