نظمت رابطة أبناء الولاية الشمالية بجدة لقاءً مفيداً مع الوالي فتحي خليل بحضور الدكتور عبد الوهاب عثمان وزير المالية الاتحادي الأسبق. وقد بدا لي بعد الاستماع إلى حديث الأخ الوالي أن توصيات مؤتمرات تطوير محافظات الولاية منذ عشرين عاماً ترى النور (يا دوب) بعد هذا الزمن الطويل ، وكنا نرى تلك التوصيات خيالاً أو ما يشبه الخيال!
سمعت من الوالي أن مشروعاً زراعياً بغرب السكوت بلغت زكاته العام الماضي (360 ) جوال قمح، وتحدّث عن إقبال كبير على الاستثمار في مجال الزراعة والتعدين. وعرفت في اللقاء أن أسعار الأرض في البرقيق ومروي تضاهي أسعارها في الخرطوم. وسرّني كثيراً أن الولاية تحقق المركز الأول لسنوات في امتحان الأساس والشهادة الثانوية على مستوى السودان؛ أي أنها عادت سيرتها الأولى كما كان شعار مؤتمرات التطوير.
وعلمت أنه خلال أشهر تتم سفلتة الطريق الغربي حتى مسافة (85) كيلومتراً، وأن العمل جارٍ في جميع قطاعات هذا الطريق الآن. وعما قريب يرتبط شريان الشمال شرق النيل بمصر. وفي مجال البنيات الأساسية يجري العمل على قدم وساق في توسيع شبكة الكهرباء ولا سيما كهربة المشاريع الزراعية.
وسُئل الوالي عن سدي كجبار ودال، وسمعت منه خطاباً جديداً يبتعد عن تسييس هذا الموضوع باعتباره موضوعاً للتنمية القصد منه مصلحة المواطن والأصل فيه هو النزول على رأي مواطني المنطقة، علماً بأن الحديث عن سد دال سابق لأوانه فهو لم يدخل في طور تنفيذي حتى الآن ولم يحصل المشروع على تمويل.
وأجاب على سؤال أهالي القولد مؤكداً أن أصحاب الحيازات الصغيرة لن ينالهم ضرر، وأن القرى والمدن لها حمى وامتدادات لن تتأثر بأي مشروع، وأن أي تخصيص للأرض لصالح مشروع قومي لن يؤثر في حقوق المواطنين. وأوضح أن ما خصص لسد مروي من أراضي الولاية يساوي 10% وليست كلها من الأرض الصالحة للزراعة.
وأشار السيد الوالي إلى جهود حكومة الولاية في الإصلاح الإداري وتصحيح أوضاع الخدمة المدنية. ولم يتسع اللقاء للحديث عن أشياء أخرى في السياحة وتفاصيل عن المشروعات الاستثمارية الأجنبية، كما لم يتسع الوقت للكثير من الحضور حتى يشاركوا بحديثهم وقد شعرنا أنهم يكتمون كلاماً كثيراً.
وبطبيعة الحال فإن الولايات محرومة من الإعلام ، فلا نسمع أخبارها الطيبة، في حين أن الأخبار السيئة وحدها هي التي تصل إلى أجهزة الإعلام. ذات مرّة حضرت في أرقو مباراة لكرة القدم بين فريق محلي نسيت اسمه وفريق الموردة، وكنت في تلك المناسبة ممثلاً لحكومة الولاية، وقد أبلى فريق أرقو بلاءً حسناً حتى أنه كاد يهزم فريق الموردة العاصمي، فأشدت بمستواه، فقالوا لي: ولكن الإعلام الرياضي لا يكتب عنا أبداً، مرّة واحدة فقط تصدر النشاط الرياضي بأرقو عناوين الصفحات الأولى عندما انتهت إحدى المباريات بـ "شكلة" وبات لاعبو الفريقين في الحراسة. وقد مازحتهم قائلاً: بسيطة ، اعملوا في نهاية كل مباراة "شكلة كاربة" ليلتفت إليكم الإعلام الرياضي!
وإذا كان من تعليق على حديث الأخ الوالي فهو أن يتسع صدر الحكومة  لتوجس المواطنين من مشروعات الاستثمار ومقاومتهم لها ، فهذا أمر متوقع. ذلك أن علاقة المواطن بأرضه علاقة عاطفية، فقيمتها عنده ليست بمثل القيمة لأي عقار أو عرض من عروض التجارة. إنها تمثل عنده كينونته ومعنى وجوده.
رأيت في جبل الأكراد بسوريا سداً يجمع مياه الأمطار للاستفادة منها في الزراعة. سألت مرافقي الذي كان أحد المتأثرين بالسد: ما موقف المواطنين من أصحاب القرى الذين غمر السد أرضهم، فقال: لم يكن سهلاً أن نفارق أرضنا، ولكن عوضتنا الحكومة تعويضاً مجزياً فتنازلنا للمصلحة العامة. رأيت الشخص في تلك البلاد يشتري قبره ويجهزه قبل الموت، وذلك لارتفاع سعر الأرض، ولا يشقون القبر عندهم أفقياً، بل هو مثل البئر يوضع الميت فيه واقفاً على قدميه. وجدنا المواطن هناك واعياً بالمصلحة العامة، ويذعن لمصلحة الوطن.  
إننا نحتاج في الولايات إلى توعية في هذا الاتجاه ، وإلى مشاركة المواطنين بالرأي والمشورة ، مراعاة لكرامتهم أولاً وحفظاً للحقوق. على المواطن أيضاً أن ينتبه إلى واجباته ، وقد كثر الكلام أخيراً عن واجبات الإنسان في مقابل حقوق الإنسان، فلكي يصل المواطن إلى حقه لا بد أن يؤدي الواجب الذي عليه. وفي الحديث النبوي: "تؤدون الذي عليكم وتسألون الذي لكم".
إننا نكرر الحديث عن العودة إلى الولاية ، فكيف تكون العودة ما لم  تتوفر فرص العمل ويتسع الاستثمار. لقد قال الوالي إن من أكبر المهددات الأمنية في الولاية قلة السكان، وهذه إشارة مهمة جداً يجب وضعها في الاعتبار. عندما جاء الإنجليز إلى حكم السودان وجدوا فيه بضع ملايين فقط من السكان، وتحدثوا في تقاريرهم عن خلو الأرض من الإنسان ، ولا بد من إنسان يعمر هذه الأرض، لذلك شجعوا الهجرة إلى السودان من غرب إفريقيا ومن مصر.
وفي موضوع الاستثمار أو في غيره يحتاج المسؤولون أن يقفوا على تقارير أمينة. وحذار مما يقع من التضليل المتعمد أو غير المتعمد لمن هم على رأس السلطة في أمور جليلة أو حقيرة، فكم من المسؤولين راحوا أو (رحلوا) لأنهم وقعوا ضحايا التقارير الزائفة. وكما يقولون: "السلطة حجاب"!
وما يبذله الوالي وأعضاء حكومته في سبيل الإصلاح الإداري هو أول الطريق نحو المستقبل. إذا نجحت حكومة الولاية الشمالية في ذلك فإنها تعيد الولاية سيرتها الأولى حقاً. ذكرت للوالي أنني وجدت في كتاب عن "السودان في عهد ونجت" إشادة الحاكم العام السير ونجت بإدارة السيد جاكسون مدير مديرية دنقلا الذي استطاع أن يقدم في مديريته نموذجاً جيداً لنجاح الإدارة الحكومية متقدماً في ذلك على سائر مديريات القطر، علماً بأن المدير جاكسون مكث في دنقلا نحو عشرين عاماً!
أعان الله ولاتنا ووزراءنا، فما هم فيه بلاء عظيم، خاصة أولئك الذين يستشعرون المسؤولية الحقيقية ... يقول أحد الشعراء في عصر الدولة العباسية في ذكر ما وقع لأبي أيوب وزير المنصور:
أسوأ العالمين حالاً لديهم ** من تسمّى بكاتب أو وزير !!
وكنت قدّمت لحديث الوالي بقولي إن منصب الوالي و الوزير الولائي هو أصعب منصب على الإطلاق، مع أنه في السنوات الأخيرة بعد الترهل في المناصب الدستورية صار هنالك وزراء لا عمل لهم ، كما قال السيد رئيس الجمهورية.
نقلاً عن صحيفة السوداني
osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]