عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قبل أن أتحدث عن الإبداع الذهني أشرح الفنقلة. وهي نهج قديم لشيوخ الأزهر في تقديم الدروس على طريقة "إذا قلتم كذا قلنا كذا". وقد تكلم عنها الدكتور طه حسين في كتابه الشهير (الأيام) إذ يقول عن نفسه : "اقبل صاحبنا على دروسه في الأزهر , و غير الأزهر من المساجد . فأمعن في الفقـــه والنحو والمنطق ، وأخذ يحسن الـفنقلـة التي كان يتنافس فيها البارعون من طلاب العلم في الأزهر".

ويجوز لنا أن نطلق هذه الكلمة الغريبة على نهج سائد في بحوث الدراسات العليا على أيامنا هذه ، فقد أسرف الطلاب في النقل حتى ليكاد البحث من أوله إلى آخره نصوصاً مقتبسة على طريقة "فلان قال" ... وهذه هي الفنقلة بعينها؟

وإذا كان من غير المعوّل عليه دائماً أن يأتي طلاب الدراسات العليا بالجديد المبتكر في بحوثهم ، باعتبار أن الغاية من عملهم هي التدريب ، فمن الغريب أن يسود نهج (الفنقلة) هذا بين الباحثين في الجامعات، فإنك لتقلّب البحث بين يديك ، فلا تجد إضافة علمية يعتدّ بها ، أو تحليلاً ينفرد به الباحث عمن سواه ، وإنما مجرد نصوص منقولة.

يُنسب إلى ابن رشد قوله إن العالِم لا يتوفر له الإبداع الذهني إلا بخمسة شروط هي : الذهن الثاقب ، والشهوة الباعثة ، والعمر الطويل ، والخبرة ، والأستاذية.

ولكي تكون هذه الشهوة الباعثة للإبداع الذهني ، فلا بد لمنتج العلم أن يجد التقدير الذي يناسب جهده ومعاناته. أرخص شيء في مجتمعاتنا ، الإنتاج الفكري والأدبي ، ولذلك تجد الكتب يصيبها الكساد ولا يستطيع المؤلف أن يوزع ألف نسخة إلا بشق الأنفس.

في الصيف الماضي زرت مدينة دمشق وكنت مشتاقاً أن أهبط ناحية حي الحلبوني حيث المكتبات والكتب ، ولكن أصابتني خيبة أمل عندما وجدت المكتبات على غير عهدي بها منذ عقد من الزمان ، وأبديت ذلك إلى الأستاذ محمد عدنان سالم صاحب دار الفكر فاشتكى من أن الكلمة تفقد قيمتها في مجتمعنا العربي. والمفارقة أنني زرت بعد ذلك  قصراً لأحد الأثرياء في ناحية من نواحي الشام ، وسمعت عجباً أن صاحب ذلك القصر أمر ذات ليلة بثلاثين ألف دولار لواحد من جلسائه ـ ممثل شهير ـ لنكتة قالها ذلك الممثل فأدخلت السرور في نفس ذلك الثري. قلت في نفسي : نكتة بثلاثين ألف دولار؟! ويجلس شيخ العلماء في بحثه ومعمله سنة كاملة ولا يصرف له سوى بضع مئات من الدولارات بعد مماطلة وتسويف!

يذكّرنا هذا بالعلماء في بعض معاهد العلم ، وكيف أنهم كانوا يتقاضون رواتب أقل من الجرايات المخصصة للبغال التي يركبونها. 

أنّى لأساتذة الجامعة بالعمر الطويل ، وهم يتنقلون من مدرج إلى مدرج ومن جامعة إلى أخرى يبتغون فضلاً مما تجود به محاضرات فوق النصاب. وما عناه ابن رشد بالعمر هو الوقت ، إذ لا وقت لمن يقضي الوقت كله في التدريس والتصحيح ولا تتهيأ له فرصة للبحث العلمي والاطلاع على الجديد.

وانقطاع الجامعات عن المجتمع من حولها ، قد يصيب علماءها بعدم التمرّس بالواقع وباقتصار الخبرة لديهم بما في الكتب وحدها ، فلا تعجب إن وجدت من قضى جل حياته بين أسوار الجامعة فلا يزيد من أن يكون (مدرسياً) يقف عند الشكليات والتقسيمات في البحث العلمي منشغلاً بالقشور دون اللباب.

وضرب الأمثلة في مثل هذا المقام يوقع في سوء الفهم ، ولكني لا أجد بداً من الإشارة إلى اثنين في مجال البحوث الإعلامية قدما عملين جديرين بالتنويه. والاثنان ممن تمرّسا بالعمل خارج الجامعة بعد أن تزوّدا بالشهادة الأكاديمية العليا. أحدهما الدكتور عباس مصطفى صادق الخبير في قناة أبو ظبي والثاني الدكتور عبد المطلب الصديق مكي. تلقيت كتاب الدكتور عباس عن الإعلام الجديد ولمست احتفاءً بهذا الكتاب في غير مكان. أما كتاب الدكتور الصديق بعنوان الإخراج الصحفي الحلول الفنية لأزمة الصحافة المطبوعة فقد لقي هو الآخر احتفاءً جديراً به ، ويكفي أن عدداً من المقالات تناولت هذا الكتاب بالتقريظ في صحيفة الرأي العام وحدها.

وموضع الاعتزاز لديّ أن يكون الباحثان ممن أسهمت معهما في طور من أطوار التدريب في واحدة من أعرق كليات الإعلام في الجامعات العربية والإسلامية ، أعني كلية الإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية.

حاشية :

في أثناء كتابتي هذا المقال تلقيت من أمين الصحافة الأخ العزيز العبيد أحمد مروح

رسالة يعتذر فيها عن تأخر العدد الثاني من مجلة بحوث الصحافة التي تصدر عن المجلس القومي للصحافة ، وقد مضى على اكتمال هذا العدد أكثر من عام كامل ، وتأخر في الطباعة لعدم وجود ميزانية.

إنني أهيب بأصحاب (القصور) أن يتفضل أحدهم بطباعة هذا العدد المخصص لموضوع  مهم جدا هو "حرية الصحافة" ، وبكل تأكيد فإن تكلفة طباعته أقل بكثير من الثلاثين ألف دولار التي استحقتها بجدارة تلك النكتة القوية.