عصر الجمعة كنا جلوساً في أحد مراكز الانتخابات وكأنّ على رؤوسنا الطير نشهد فرز وعدّ الأصوات. ولما خرجنا كان ينتظر في الخارج جمع غفير من الرجال والنساء ، وفور إعلان اكتساح المؤتمر الوطني لنتائج المركز بفارق جد كبير ، علت زغاريد النساء وتكبيرات الرجال.

كان رد الفعل بسيطاً وعفوياً ، ومع ذلك فقد أثار قلقاً شديداً لدى واحد من (قدماء المحاربين) الذي استحثني لمخاطبة قادة المؤتمر الوطني ألا يستفزوا الآخرين بنصرهم وأن يقابلوا هذا النصر بما يستحقه من الشكر والتواضع.

قلت للأخ الكريم : قرأت في صحيفة الرأي العام هذا الصباح أن والي الخرطوم الدكتور عبد الرحمن الخضر تحدث عن حرصهم بأن لا تكون الاحتفالات مستفزة لأحد.

والحقيقة أن النصر أي نصر هو مناسبة لإظهار نعمة الله ، والاحتفال بالنصر إذا كان بحق فهو خير.

ولكن قد يجد بعض المنتصرين نشوة عظيمة ، وربما تستخفهم هذه النشوة فيعبرون عما لديهم بالتباهي على الآخرين والإزراء بهم ، وهذا ما ينبغي الحذر منه. 

إننا نجد الأسوة الحسنة في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يدخل مكة منتصراً في تواضع شديد وخشوع لله تعالى شكراً له على آلائه وإنعامه عليه. وأوضحت السيرة بيان ذلك التواضع فكان صلى الله عليه وسلم مطأطئ الرأس ، حتى أنَّ لحيته لتمس رحلَ ناقته تواضعاً لله وخشوعاً. لم يدخل - وهو الظافر المنتصر- دخولَ الظلمة الجبارين سفاكي الدماء البطَّاشين بالأبرياء والضعفاء.

وتجلت مع ذلك النصر الكبير مواقف عظيمة في إنزال الناس منازلهم ، والعفو عن ألد الأعداء ، كما تجلى بيان الكمال المحمدي في عدله ووفائه ، في رد مفتاح الكعبة لعثمان بن أبي طلحة ، ولم يُعطه مَن طلبه منه وهو "علي بن أبي طالب" - رضي الله عنه- وهو صهره الكريم وابن عمه.

وخير ما يستهلّ به الأخ الرئيس عهده الجديد أن يكمل العفو عن جميع الموقوفين ، وفتح صفحة جديدة مع الجميع ، وقد أثبتت أيام التنافس الانتخابي أن أبناء الوطن الخلّص قلبهم على بلدهم ، إلا من ارتكس في عمالة مع الأجنبي وربط مصيره بمصيره ، فلا دواء لأمثالهم إلا بالحذر منهم والتربص بهم لما يتوقع منهم من مزيد الارتكاس في حمأة الخيانة الوطنية.

ولا يسع المرء إلا أن يشيد بالمواقف الرزينة التي أظهرها كثير من مرشحي المؤتمر الشعبي ممن لم ينسوا الفضل بينهم وبين إخوانهم ، وكذا الحزب الاتحادي ، والكثير من المرشحين المستقلين الذين استحقوا احترام الناخبين ، أثبتوا أن ما يجمع بين فرقاء السياسة أكبر مما يفرق بينهم ، ناظرين إلى أن العبرة ليس بنجاح عاجل في الفوز بالدوائر بل بالمشاركة وإثبات حقهم في حمل مسؤولية الوطن.

أما الذين تجاوزوا في الكلام وأطلقوا التهم جزافاً أو أمعنوا في الكذب فإن حسابهم على الله ، وقد جنى الجميع نتيجة ما زرعوا في هذه الانتخابات ، كما يقول  المثل الشعبي السائر : "التيربتُ بقوم هـُ "، والمعنى أن ما تفعله من خير أو شر فهو عائد إليك ، وفي المثل العربي : لا يجني التفاح من يزرع الفجل  

لقد أثبت الشعب السوداني دائماً أنه يعي ويحترم المواقف الناضجة الحكيمة ، أما البذاءات والحماقات فهي عند شعبنا المعلم دبر أذنيه وتحت قدميه.

osman abuzaid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]