على صديقنا الكاتب محمد جمال الدين الذي انتهي من تدشين باقة من رواياته ان ينتظر قليلا او كثيرا لا فرق، حتى تبلغ كتاباته غاية ينشدها او أبعد من ذلك.

فقديما كان الكتاب كذلك، إذ واجه روائيون وكتاب كأمثال الطيب الصالح زمنا ممتدا حتى وقف الناس على أعمالهم الادبية واعتبروها فارقة في تاريخ الرواية السودانية والعمل الابداعي العربي على وجه العموم.

ذلك كان لأن طريق الكتاب إلى القارئ في زمانهم كان طويلا وشائكا وعسيرا لفقر الوسائل حينها، فينتظر المبدعون حينا من زمان ليتسنى للقراء ان يصلوا لمنتوجهم الفكري في زمن كان الكتابوالروائيون فيه قليل!

من حسن طالع اولائك انهم قليل بالطبع، ذلك يزجي لهم مساحات الريادة على ساحة الابداع بقليل منافسة لكن ما يفصل بينهم وبين القارئ – في زمانهم- كان جزرا وبحارا ومحيطات...

اما اليوم والحال كما هي، في عصر المعلومات المتدفقة، فإن كاتبا كصديقنا محمد جمال الدين يستطيع بمجرد الفراغ من كتاباته ان يضعها بين يدي المتلقي بضغطة ذر ، ذلك معروف لكن الكتاب والمبدعون كثير، عليه فإن المسافة بين الكاتب والمتلقي على قصرها او انعدمها تماما فهي مكتظة بالكتاب والكتابات الغثة والسمينة، ذلك يلهي المتلقي كثيرا وينظره حتى يتبين ضالته فيحتفي بها، لذلك فعلى كتاب اليوم ايضا ان ينتظروا كثيرا على قصر الطريق بينهم وبين المتلقي، فقديما قيل الكثير يلهي، حتى ينتبه الناس من غفلتهم، كيف لا والأسافير تطل عليهم بآلاف بل عشرات الآلاف من الترجمات والاعمال الابداعية والفكرية والصحافية كل يوم وساعة...

ولعل مما يستغرب له في صديقنا محمد جمال الدين وفي المتلقي "نحن" هو ان كاتبنا قد اختار لإطلالته سبيل الطباعة الورقية بما يكتنفه من صعوبة ويتكلفه من مال، ما يصعب مهمة الكتاب في الوصول للقارئ في عصر الكتاب الاسفيري بعبئه المادي اليسير او المعدوم، و من عجب ان قارئ العربية اليوم بما يدعيه من جفوة مع الكتاب الورقي التقليدي فهو ايضا لا يميل لمطالعة الكتاب بصورته الجديدة الإلكترونية بشكل راتب، إذ يشتكي الكثيرون، بل الغالبية، من صعوبة القراءة عبر وسائل كالحاسب الآلي ووسائط اخرى اتحامى ذكرها بأسماءها الاعجمية وانا احتسب كتابتي العربية -عند قراءها- خالصة من الزيغ!!

ذلك ايضا من التناقض بمكان لدى القارء العربي يتوجب معه الصبر كثيرا كي يقنع إنساننا بأحد الطريقين، طريق القراءة الحديثة عبر وسائلها الميسرة والمتاحة او عبر الأسلوب القديم بلذته وطلاوته وماديته المتمثلة في فرطقة الأوراق ورائحتها وصريرها وحضورها الصريح بين يدي قارئ يستطيع ان يدعي صادقا انه يملك كتابا، او انه اشترى كتابا سعى إليه في مكتبة يلتمس حثيثا، ذلك يعرفه العارفون، وذلك سبب اخر يستوجب الانتظار.

اخونا الكاتب محمد جمال الدين من حيث قضايا الهوية والانتماء يميل لسودانية تعتد بموروث القبيلة بمعنى الاعتراف بوجود الشئ من باب الواقعية، والمتحري لمشاركاته المختلفة يلتمس ذلك بل استطيع ان ازعم اكثر من ذلك كونه يتقفى اثر الواقعية السحرية القديمة في كتاباته، فهو لذلك لا يخفي إنتماءه العروبي في كثير من منتوجه العفوي عبر الاسافير ولا يعتد به كدالة فارقة تستحيل لدى الاخرين، لكن وعيه الاكيد بالذات السودانية المركبة يقفه عند الافريقية كثيرا، الافريقية التي تتداخل مع العروبة و تتشاكل وتكتسب انماطا عديدة مع حضور عرقي وثقافي ثالث ليس بإفريقي ولا عربي، يمتزج كل ذلك في انسان السودان، لكن النقد الذي تصوب نحو المثقف السوداني من قبل النخبة التي تدعي صفاء الافريقية في دماءها ومزاجها من بني السودان و متملقيها ممن يستعيذون من جريان الدماء العربية في دمائهم، بالتبرك بنار الافريقية المقدسة لا يرون ان مثقفينا قد انصفوا افريقيا في كتاباتهم وذلك امر يسهل فهمه و تقبله واستيعابه، لكن الذي يؤرق كل ذي ادعاء بعدم اسبقية الحضور الافريقي في منتوج المثقف السوداني قديما يستحضر في ذهنه دوما صعوبة التواصل مع افريقيتنا الفاقدة للهوية اللغوية.

ذلك دوما يضطر المتجشم لوعور تلك المسالك ان يركب الصعب، فيتوسل للافريقية باللغات الانجلوفرنسية، وهو في ذلك لا يزيد الادعاء بغرابة اللغة العربية على المكون الافريقي في السودان إلا غرابة...

فمن الأولى ان يقر الناس على اللغة االعربية المألوفة المنكرة على ان يتطاولوا للانجليزية النابية المدعاة في أذن المتلقي السوداني.

ذلك امر غريب لكنه يمتحن تجربة كاتبنا المبدع محمد جمال الدين ايضا، و سيحسب من نخب العرب بعيدا عن موضوعه، إذ يتخذ لتناقضاته الفكرية لغة منسجمة مع القديم، شكلا!

وعلى ذلك فإن حضور الكاتب والمبدع من عالمنا في محافل العالمية لا يتسنى من خلال الترجمات التي تنتظر كثيرا دورها في صفوف المكتبات العالمية. استفدت هذه الرؤية من حديث لاديبنا العظيم الطيب صالح عندما قال ان كتاب العربية لا يجدون حظهم ومكانتهم من التلقي والاطلاع عند القارئ في بلاد العالم، وان من يكتبون بالانجليزية مثلا يمهدون لانفسهم الطريق يسيرا للتصنيف السريع والاحتفاء، ذلك زعم سديد يتجلى في تجربة الكاتبة السودانية ليلي فؤاد أبي العلا، إذ انظر – يارعاك الله- كيف تسنى لمثلها في مقتبل العمر واستشراف التجربة ان تحظى بجائزة كين العالمة للأدب الافريقي عن قصتها " المتحف" ورشحت اعمالها لجوائز عالمية مرموقة بل وان تعرض بعض اعمالها على اثير الإذاعة البريطانية جنبا إلى جنب مع اعمال كبيرة، امر نغبطها عليه ونهنيها لأجله، ذلك لأنها درست وبرعت في اسكوتلندا واستهلت تجاربها الاولى باللغة الانجليزية ثم أكملت الطريق.

يقول الطيب صالح انه ذهب يبحث عن احد كتابات الأديب المصري الكبير " نجيب محفوظ" في لندن بعد فوزه بجائزة نوبل للآدب بعام واحد فسأل المشتغلين في المكتبة عنه فلم يعرفوه، فهاله ذلك ثم ذكرهمبأن محفوظا كان قد فاز بجائزة نوبل للاداب لعام مضى!

ذلك ايضا مما لا يجب ان يغفله كاتبنا المجد محمد جمال، وهو رجل مطلع ومتحدث بلغات عالمية عديدة يدرك حساسية ذلك وبالغ اثره، ولا يظنن اننا لا نستدرجه للكتابة باللغات الاجنبية كي نلمزه بالغرائبية مرة اخرى ، فنحن له في كل الاحوال بالمرصاد!

فروزينوني- روما، إيطاليا

عبدالله الاحمر

16 يناير 2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.