تألق برشلونة وانتصار القيم الموجبة

فلسفة الإبداع والمنافسة والأخلاق

 

لابد للمرء أن يتجاوز نمط الإخبار الرقمي لو أراد الحديث عن فريق برشلونة الإسباني، إذ الأرقام على انحيازها الكلي لهذا الفريق المعجزة لا تمثل الفلسفة  الكتالونية  الكلية ولا المثالية العالية التي يتحلى بها البارسا، المثالية التي تفرز محصلات تتجاوز – لو تأملنا- كل الإنتصارات والكؤوس من حيث أنها أرقام!.

نعم إنها الكأس السادسة التي فاز بها برشلونة هذا الموسم، فهي من حيث الترتيب تلي الفوز بدوري الأبطال ( شامبيونز ليق) على مستوى القارة وقد فعل برشلونة ذلك في موقعة الأوليمبيكو بروما  أمام العجوزين مانشيستر يونايتد والسير أليكس فيرقسون، والمشاركة المباشرة في دوري أبطال أوروبا تأتي كتتويج طبيعي لحيازة أحد المرتبتين الأولى أو الثانية في الدوري الإسباني وقد نال برشلونة الترتيب الثاني في الدوري الإسباني في الموسم قبل الماضي مما ممكنه من التأهل لدوري أبطال اوروبا في الموسم الماضي ثم فاز في ذات الموسم بالدوري الإسباني ( لاليقا) ثم تلى ذلك فوزه بكأس ملك اسبانيا (كوبا لا ديري) ثم كأسي السوبر الإسبانية أمام بلباو والسوبر الأوربية، ليضمن بذلك خماسية نادرة قلما يجود بها التاريخ ثم اكتمل العقد بكأس القارات التي تشرفت بأن ينالها فريق برشلونة في بلد محظوظ أهله كالإمارات إذ يستضيفون نجوم البارسا.

لم تكن مصادفة عابرة بكل المقاييس أن يفوز فريق ما بهذه الألقاب في موسم واحد لكنها تكون مفارقة ذات دلالة إضافية فارقة إذا كان الفائز برشلونة، فالدلالة قيمية بامتياز.

فبرشلونة ياسادتي يرد إلى نفوسنا المشفقة على قيمية الحياة شيئا من طمأنينتها في أن العالم لم يزل بخير، رغم تهور ثقافة المادة واجتياحها لمكتسبات الشعوب وموروثاتهم وانفلات الكثير من مضامين الروح الإنسانية وعبور ظواهر البيع والشراء لكل ما هو معنوي ليصبح رقميا كاختيار وحيد، ولنا في الرياضة مثال دال حيث أصبحت اللعبة تدار بواسطة رجال الأعمال والشركات المحتكرة ليس لحقوق البث او الدعاية فحسب بل لحقوق بيع اللاعبين إذ تشترك العديد من الشركات في عقود شراء وتمويل شراء اللاعبين و تحتفظ بحقها في تحديد سعر بيعهم في السوق!

لكن برشلونة يضرب المثالات الموجبة في كل شيء، ففي برشلونة تسود ثقافة المدرسة الكتالونية التي تصنع النجوم وتغرس فيهم روح البارسا أو روح المنافسة والدفع للأمام - لا فرق عندي- فتحيلنا بفلسفتها تلك لمقارنة غريمها المدريدي العنيد الذي يشتري كل شيء بالمال لكنه لا يشتري روح الإنتماء ولا يستطيع صناعة النجوم.

إذ كيف يستوي في الأفهام ان صفقة كريستيانوا رونالدو تعادل 80% من إجمالي قيمة ناد عريق مثل نيوكاسل الإنجليزي؟

أو كيف يستوي في الأفهام أن ينفق فريق ريال مديرد في صفقاته الأخيرة التي ابرمها ربع مليار يورو بينما مجموع صفقات فريق آخر في الدوري الأسباني مثل ألميريا لم تتجاوز المليون يورو؟

أو هل يستوي أن ميزانية ريال مدريد تعادل ميزانية فريق خيخون مائة مرة والفريقان يلعبان في نفس الدرجة؟

هل تملك مثل هذه الفرق - لو انتصرت قيم المادة دون غيرها - فرصة الحلم في المنافسه؟

إن وجود برشلونة في أيامنا هذه يا أخوتي ليس من أجل اللعب الجميل ولا الفوز فحسب وإنما هو وجود دال على دور الأخلاق الذي لم يندثر بعد!

ففي برشلونة يتحرر اللاعبون من ارتداء شعارات الكوكاكولا وشركات السيارات والفورميولا وغيرها من منتجات.

لكنهم إذ لا يلعنون الظلام، فهم يشعلون في القلوب شمعات بارتدائهم شعار اليونيسيف!

وفي برشلونة ياسادتي تشع روح العمل الجماعي والإبداع الذي يعطي للكرة معناها الجميل القائم على الإنسجام داخل الملعب وخارجه حتى لم يعد لبرشلونة تشكيلة ثابتة فالكل يلعب والكل يعطي من أجل الكرة.

إنها فعلا قصة برشلونة التي تمتد وتتجاوز عدد الإنتصارات والكؤوس التي يحرزها البارسا العنيد ولقد تندر البعض بأن قائد برشلونة قد أصابه شد عضلي جراء رفع الكؤوس، وذلك من أجل الضحك وإثارة حفائظ المدريديست.

وفي ذاكرة كاتلونيا تمر مشاهد الإبداع الإستثنائي وعبقها الخاص الذي تنفسه الطائر يوهان كرويف ورود كومان وروماريو وقوارديولا وريستوشتايكوف وسيرجي و اوفرمارس ورونالدينو  انتهاءا بتشافي هرنانديز وميسي وإنيستا.

هذه الأسماء ياسادتي ليست أرقاما مالية ولا نجوم كرة قدم لكنهم قبيلة تتوارث روح العمل الجماعي والمثابرة والتنشئة والصعود بعنفوان التحدي والإرادة والتكامل، فبرشلونة عندما يلعب إنما يبث في نفوس متتبعيه روح الرياضة بمعناها المراد وليس بالمعنى الذي تلبسته اللعبة مؤخرا.

فللكرة في الكامب نو مذاق آخر حتى لدى جماهيرهم.

جماهيرهم التي استقبلت نجوم المرينجي في المطار  بالتصفيق والترحاب عندما قدموا للكلاسيكو الأخير في كاتلونيا.

أليس في برشلونة شواهد عملية لفرق كرة القدم كيف تكون؟

لا غرو أننا نحمد الله أن وجود برشلونة بالمستوى  الذي نراه يظل شاهدا عمليا  لرواد الحضارة الإنسانية أن المادة وحدها لا تصنع كل المجد ولو لم تكن برشلونة فلربما كفر الناس بحظوظ ذوي القدرات المالية المحدودة في منازلة الأثرياء ولكان البسطاء في كل شيء يتنازلون لهم عن دور الريادة عفوا لكونهم اثرياء !

لكنها إرادة الحياة لمن عانقته أشواقها كيف يتبخر في جوها ثم يندثر؟

عبدالله الأحمر

غريان – ليبيا

مدينة الرابطة

21 -12-2009

abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]