أيه يا ولادي أيه ياولادي!

ثم أجهشت..

غلبها كل فعل غير اللهج بتلكم الكلمات وقد بثت في الحضور روحا أبلغ من كل فرح وأرحب من كل معنى ابتهاج إذ جعلتنا نفرح دون مقدمات ونغيب معها في عرسها على غير موعد.

لا أدري لو كان الإحساس الذي انتابني إذاك قد انتاب جميع الحاضرين ولكني انتهى كل اهتمامي إلى تلك الأم التي رأيتها للمرة الأولى في مقهى الإنترنت الذي أعتدت على ارتياده حينا بعد آخر.

كنت كعادتي أنتحي بعيدا في المقعد الأخير مستغلا أحد الأجهزة، وإذا بهذه المرأة العجوز تدلف علينا.

العجوز الكبيرة صاحبة الفراشية الليبية تسأل عن نتيجة ابنتها في الإنترنت.

عندما رأيتها تسأل عن النتيجة أدركت أن المكان على وشك أن يزدحم بالطلبة المتعطشين لمعرفة نتائجهم، وأدركت أن بقائي في ذلك المكان سوف لن يطول، ولقد كان ذلك، فمقامي لم يدم طويلا بعيد تلك المرأة المسنة التي أشبعت كل رغبتي في النشوة والفرح والأمل..

تركت المكان بعد أن باركت لها وفرحت لها، وبعد مغادرتها كي أحتفظ بكل الروعة والدهشة والفرحة.

كي أحبس اللحظة فلا تغادرني..

إحساس الأم وحب الأم وشعور الأم...

وهل كالأم حبيب؟

وهل كقلب الأم قلب؟

قليلة هي المرات التي تتكشف فيها اللحظة عن أسرار الطبيعة النادرة التي لا تتكرر..

فالروعة مودوعة في سرائر الأمهات...

والإيثار.

إن الفرحة التي بثتها تلكم الأم لم تكن لتحتفي بها بذلكم الشغف لو كانت فرحتها هي..

ويألمون لنا كما لا يألمون لأنفسهم.

يذكرني ألم الأمهات يوما من أيام يفاعتي الأولى، حيث أرهقتني المذاكرة الطويلة وكنت نحيفا شديد الهزال ضعيف البنية، وفي يوم من تلك الأيام وضعت كتبي جانبا ووقفت أمازح أمي، وكنت إذا مازحتها تمتد أيادي لمناكفتها ومشاكستها كل حين، لكني هذه المرة كنت مرهقا جدا، فوقفت أمازحها وألهو معها فإذا بي أسقط بين يديها مغشيا علي، ثم غاب عني الوعي ولم أعلم بعد علم..

وبعيد ساعات قلائل استيقظت ووجدت نفسي في أحد غرف المشفى القريب وإذا بهم يحضرون أمي على كرسي كي تراني بعد أن استيقظت هي الأخرى من غيبوبتها.

وهي بعد لا تستطيع الوقوف على قدميها..

فما أعظم أمي.

إنني أبدا لا أنس ذلك اليوم.

إيه ياولادي إيه ياولادي...

قليلة هي المفارقات التي تتحفنا اللحظة فيها بهذا الجمال..

والجمال مودوع في صدور الأمهات.

فما أروع الأمهات.

إنني أحسد نفسي كيف اختارتني اللحظة للنشوة بين يدي أم من أمهات..

وبنية هي مصدر البهجة من بنيات...

فيكتور هوجو يقف قريبا جدا اليوم ويتأمل...

بنيتي قومي للصلاة..

مصطفى لطفي المنفلوطي اليوم يقف قريبا جدا ويتأمل هو الآخر..

بنيتي قومي للصلاة

صبيرة قومي للصلاة..

صبيرة اليوم هي عروسة هذه الأمسية.

وهي سيدة الزمان والمكان منذ اليوم.

لم تملك تلك الأم أن تتزحزح من مكانها لحين من زمان وهي تردد آيات الشكر وتلهج

أيه ياأولادي أيه ياأولادي..

أولادي هنا هما الشابان اللذان يعملان في مقهى الإنترنت وقد ساعداها على معرفة النتيجة.

لقد غاب عنها كل قول غير تلك الكلمات تنبي عنها والجميع يدرك أنها تقول كل شيء في تلك الكلمات التي لا تعني أي شيء.

نحن أحيانا يعجزنا المقال فننطق بكلمات أو نكتفي بكلمة أو حتى تعبير في الوجه يحمل عنا كل مكنون القلب..

جلست إلى صديق من قبيل أفريقيا التي أحب فإذا بنا نتبادل أطراف الحديث ونذكر الشعراء والأدباء فقال لي: إن الشعراء والأدباء ينطقون  ويتكشفون على الطلاقة بمعان هي ذات المعان التي يشعر بها جميع الناس وتنبض قلوبهم بالحب الذي يتوزع في سائر قلوب البشر، بيد أن البشر في عامتهم قد يستعص عليهم البواح والنطق بكل ما يدور في أجزاء نفوسهم..

ولكنهم إذ يقرأون الشعر والأدب ويستمعون للمعان الجميلة في الفن يفرحون ويألمون ويسكبون في اللحظة آيات التأمل والإجلال..

لأن الكلمات إذ تصرخ فإنما من قلوبهم، والكلمات إذ تصدح فإنما من قلوبهم.

إنهم يحبون ويفرحون ويتأملون ...

إنهم ينصفون..

الكلمات تنصفهم..

والطبيعة قبل كل شيء تنصفهم.

وذكرني هذا الصديق بأفعال الطيش التي تنصفهم على غير موعد.

لقد كان بتهوفن في زيارة أم ثكلى، فلما رآها ووقف بين يديها لم تسعفه الكلمات فأمسك يدها ووضعها في صدره، قبالة قلبه، وقال لها: هاهنا مصدر الألم!!!

إنه يربط الألم بالألم..

بتهوفن كان يسكب الألحان في نفوس الناس حتى يسكرهم.

إيه ياولادي أيه ياولادي!

بعثرتنا تلكم الآهات اليوم وهي آهات فرح أكيد، وهي رحيل في شريط العمر مذ كانت صبيرة حلما في عيني أمها وأبيها.

 ويمض الزمان، وتكبر صبيرة، وبها يكبر الفرح، الصبر وصبيرة، والرجاء والأمل وصبيرة.

ما أسعدهن الأمهات وما أشقاهن، حين يرزقهن الله ببنيات وأولاد، كأمثال صبيرة.

ما أسعدهن حين يرسلن آمالهن للغد وفي الغد صبيرة.

بنيتي قومي للصلاة

لكم تسعدني أيها الهوجو العظيم ببنيتك والصلاة والرجاء والأمل.

لو نظرت لها فقط لكانت قصيدتك أبلغ سيدي الأديب الإنسان

ولكنك تشفق على أمثالي، فتبعثرهم بدعوى الصلاة

وسر فاتنتك الصبيرة الصغيرة.

حدثني أبي عن أحد الأقارب في القرية هناك في شمالي كرد فان، حيث ترقد الطبيعة وتستيقظ على مرأى البسطاء من أبناءها، قال لي: إنهم لما يعودون بعد غياب للقرية ويلتقون الأهل والأحباب ينداح الفرح بعودتهم،حدثني عن أحد الأقارب، قال لي إن هذا الشخص لما يراهم وهم إخوته، لما يراهم وهو يفتقدهم لا يستطيع حتى أن يقول كلمة ترحيب فلا يتكلم ولكنه يحضنهم بقوة وبحرارة وهو في حالة من الثورة العاطفية، قال لي إننا لا نسمع إلا شخيره وصدره الذي يهدر ثم يبكي...!

ياللحب.

أين منه الكلمات..

إيه ياولادي إيه ياولادي.

ولذلك كانت هذه الكلمات وكانت هذه النشوة هي كل شيء.

ثم طلبت العجوز ذات الفراشية الليبية من الشابين أن يتصلا ببنيتها.

صبيرة..

لم تكن تصبر حتى تعود إلى البيت.

بيد أن صبيرة كانت تصبر.

كانت تنتظر نتيجتها حتى تأتيها.

وعندما كلمتها سمعناها تناديها (صبيرة) وتقول لها أنها قد نجحت..

من هنا كان موعدنا مع اللحظة

وسيدة اللحظة

صبيرة.

أدركنا جميعنا أنها صبيرة

صبيرة سيدة الزمان والمكان وقرة عين أمها منذ اليوم.

سلوها هل فرحت صبيرة مثلما فرحت أم صبيرة؟

أردت لإطلالتي هذه أن تكون سيدة الموقف أيضا فأسميها صبيرة، ثم غلبني مشهد الأم فأسميته فرحة أم، ثم لم أعد أعلم بعد علم، هل صبيرة أم، أم صبيرة، ولو سألت الأم لقالت لي صبيرة.

فقولوا لي بربكم ماذا يكون؟

 إنها أم صبيرة.

 

الاثنين

11/08/2008

طرابلس

جنزور الغربية