بينما كنت أمر اليوم  في أحد الطرق المجاورة  في مدينة جنزور والتي تتاخم العاصمة الليبية طرابلس من تلقاء الغرب، كنت أعبر أمام أحد المنازل المجاورة التي تسكنها أسرة أفريقية، فإذا برب البيت يعود من رحلة العمل الشاق ومشقة اليوم الكامل، والنهار يضم إليه دفئه وبقايا سنا ثم يغمض جفنيه ويتركنا للانتظار والأحلام.

لقد كان ذلك الإفريقي متسخ الهندام والبدن كعادة أمثاله ممن يقضون اليوم في كد وجهد وعمل شاق، وكانت تبدو في محياه علامات ذاك اليوم الطويل الذي انقضى.

إنه يعود إلى منزله أخيرا..

لكنه ساعة أقترب من الباب وأوشك عليه لم يمد يده ليطرق جرس الباب ولا أحسب أن في مثل بيته الذي يأوي إليه جرسا من خشونة حيطانه وقدمها، كما أن يده لم تمتد لطرق الباب، ولم  ينادي أحدا ولم يفتح الباب..!

لقد وقف أمام الباب ثم أطلق صوته الإفريقي ذاك الجهور يغني...!!

بصوته ذاك العنيف وكلماته التي لا أعرفها ولا أفقه معانيها.

تلك الكلمات لا يدركها إلا هو ولا يفقه معناها إلا من عناهم بذاك الغناء..

الأغنيات في بقايا المساء واقتراب عرس الليل.

ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جمان...

ليت المعري الفيلسوف كان سأل عن عروس الزنج وعن الليل وعن قلائد من جمان.

فالمعري لم يكن يبصر أصلا ولكنهم خبروه في مورثوهم لصور المشاهدات وما تصنعه من صور في نفوسهم عن عروس الزنج وعن قلائد من جمان..!

لكنه أبدا لم يتعرف إليها..!!

فلو كانت ليالي جنزور شديدة البرد والسحب قد شابت سواد ذاك الليل وغيبت النجوم فإن عروس الزنج لم تزل عليها قلائد من جمان..

عروس الزنج في بيت هذا الأفريقي الذي يتغنى في المساء بكلمات لو ترجمناها لكل لغات الأرض لما ابتعدت عن الاحتفاء المسائي بعروس الزنج..

تتمايز العبارات واللغات بلاغة وإفصاحا ولكنها قد لا تعني شيئا أحيانا، وقد يعظم قدر المغنين والشعراء ولكنهم قد لا يعنون شيئا أيضا، وتتناهى مقادير بأصحابها إلى حافة الوجود وهامش الذكر لكنهم يتواجدون في معانيهم التي لا يعبر إليها سواهم وفي نفوسهم التي تتغنى للحياة.

وتنعدم عندئذ الفلسفات جميعها.

لم يطرق ذاك الإفريقي الباب ولكنه لا محالة قد طرق في داخل البيت قلب صاحبة المجد والتاريخ الممتد لو كان يغنيها ما سمعت..

ولقد أرسل في أعماق بنياته وأبنائه فرحة المساء لو كان يغنيهم ما سمعت..

بنياته وأبنائه أصيحاب الأمل الناجم من عمق التاريخ.

ولقد أفرح صوته ذاك الجهور العنيف قلوبهم لو جمعهم القدر- وأسأل الله أن آمين-  في حضرة ذاك المساء من أجل ذاك الغناء الدافئ..

إنهم جديرون بصوت أجمل من صوته ذاك العنيف ولكن من ذا يستطيع إسعادهم وإطرابهم بصوت غير صوته ذاك؟

لقد كان إفريقيا في كل شيء.

ولو استدركنا عليه فعله ذا، فلربما استنكرنا عليه ما فعل، لكنه يعلمنا دروسا في الإنسانية وعلم الاجتماع، والفرح...

إنني أشقى بملاحقة مثل هذه اللحظات العبقرية في تجليات الإنسان رغم جهلي لكثير من مدلولاتها إذ تعظمني قدرا  وتتواضع قدرتي على احتمالها وحدي فتنداح وتغطي كل المساحات من حولي وتفيض لتبلغكم أنتم..

رغم جهلي وتواضع حيلتي فهي تعلمني أن الجمال في نفوسنا يكمن فإذا بعثناه في نفوس الآخرين فكأنهم إذاك يروننا...

لم تسعفني جرأتي أن أتثاقل في الخطى أو أن أقف مكاني لعلي ألمح أو أسمع مشهدا أو صوتا آخر يأتي من قبيل البيت، لقد مضيت، ولكني وقفت مع نفسي كثيرا ودعوتكم للوقوف معي، دعوتكم لابتسامة وفرحة وأمل ينثرها العائد من عمله وهو مرهق البدن قبل التقاط الأنفاس وقبل تناول الطعام وقبل الجلوس وأخذ قسط من الراحة..

ماذا لو كان العمل الذي انتهى منه لتوه قد تأخر هنيهة أخرى؟

ماذا لو أن رب العمل كان قد طلب إليه أن يعمل لربع ساعة أو عشر دقائق أو خمس دقائق أخرى بمقابل أو دون مقابل هل تراه يرفض؟

وهل ترانا لو كنا في ذات المقام نرفض؟

إذ ما قيمة الدقائق الخمس بعد يوم طويل من العناء والتعب..

نستطيع أن نعمل لدقائق أخرى دون تبرير ودون تهرب.

فما دام ممكنا أن نضيف هذه الدقائق القليلة في العمل بمقابل أو دون مقابل فما بالنا من أجل ابتسامة المساء لا نبتدر المحبوبة التي تنتظر والأحباب الصغار في البيت ونختصهم بدقيقتين من المزاح والمرح واللهو دون التذرع بالتعب والمشقة وطلب الراحة..

لو كان الجهد البدني هو المطلوب الأسمى فكلنا يستطيع ذلك، ولكنها إشراقه النفوس تلك التي تقدح في المساء ابتسامة الفرح فتضيء كل المساء...

 

الثلاثاء: 18/11/2008

طرابلس- جنزور الغربية