قد لا يفوت على ذوي المعرفة والإدراك أن الأزمات التي تعانيها المنطقة العربية تخلق حالة مفاصلة واتساع مضطرد للهوة بين الأنظمة والشعوب، وتبقى حاجة كلا الطرفين  للآخر ملحة لصناعة مساحة تنفيس مشتركة ترضي اشواق كليهما - بشكل نسبي- لإثبات الوجود في الحد الأدنى.

فمن ناحية الشعوب تبقى أزمة التعبير واضمحلال هامش الحريات والمشاركة في صناعة القرار وتردي الحالة الإقتصادية وتفشي ظواهر البطالة والبطالة المقنعة تشكل درجة عالية من الإحباط والغبن ينضاف إليها الهشاشة المعرفية والسطحية الثقافية لدى المواطن العربي والتي بدورها تنتهي بحالة الإحباط لديه إلى ما يشبه اللامبالاة والضياع، وتبقى الحاجة ملحة للتنفيس!

فينشأ بذلك كره نمطي للأنظمة السياسية بصورة عامة مبررة وغير مبررة أحيانا عندما تشتبه الأشياء في ذهنية الإنسان في ظل تنامي التكرار المنهجي للفشل السياسي والإقتصادي وتراجع فعالية الإنسان العربي ورفضه للوضعية القائمة وعدم معرفته لمطلوبات المرحلة من أجل التغيير، واستسلامه – في أحيان كثيرة - لفرضية إستحالة التغيير، فينتج عن ذلك صناعة الذهنية الفاشلة أو الإنسان الفاشل.!

من ناحية أخرى تحتاج الأنظمة العربية لبعض الدفء والموثوقية في علاقتها بشعوبها والتي استحالت لما يشبه المفاصلة والبرود التام لتمديد مشروعيتها دون إجراء تغيير جوهري في القائم من أحوال.

والحاجة لدى الشعوب – كما ذكرنا - هي للخروج على النمط الراكد ويبقى السؤال الكبير ( كيف؟).

وتبدو المساحات الشاسعة التي تلتق فيها الشعوب بحكامها في مثل هذه الأحوال هي المساحات المفرغة في ذهنية المواطن، وهي على شدة أتساعها إلا أنها تمتلء سريعا بمجرد الضرب على وتر العصبيات أو إشعال المشاعر القومية وتوهم عدو خارجي، عندئذ تتلاقى أشواق المواطن العربي للخروج للضؤ والتعبير عن ذاته المهمشة ورغبة الحكومات في لفت الأنظار بعيدا عن القضايا الملحة و الإحساس بالإنتماء لشعب!

فتتساهل الحكومات في بسط حرية التنفيس وتتغاضى عن كثير من حالات الإنفلات بل وتنغمس بعض قيادات الدولة التنفيذية والتشريعية ورموزها في موجات الإنفلات إمعانا في التضليل وتمكينا لثقافة الإثارة والضجيج، والهستيريا والصخب المؤقت كي تبدو الحكومات – بذلك - قريبة من شعوبها، وتلتفت الأنظار بعيدا عن الأزمات الحقيقية للشعوب، وليس ذلك فحسب بل حتى الطريقة التي يستجيب بها المواطن لمثل هذه الأزمات تبدو معيبة ومشينة تمثل أزمة في حد ذاتها تحتاج لدراسة ومعالجة ناهيك عن إستدراجه لميادين القضايا الخاسرة والرهانات الهامشية وإلهائه عن مطالبه المشروعة.

لذلك لا نستطيع أن نحاكم شعبي مصر ولا الجزائر ولا حكومتيهما على ماجرى بينهما في الأيام القليلة الماضية لو قدرنا حاجة كلا الشعبين للتنفيس والخروج على حالة الركود والثبات التي يعيشانها ككل الشعوب العربية الأخرى، وحرص حكومتيهما على شحن مثل هذه المناسبات بمشاعر الوطنية من خلال التلويح بشعارات براقة عن الكرامة والعزة وربما الشرف!

هذه الإنتباهة ليست من أجل تحصيل حاصل لنمطية العلاقة بين المواطن العربي وحكومته بقدرما تمثل تسليطا للضؤ على مكامن الضعف في محمولنا الثقافي المهيض واستشراء الجهل وأمية المتعلمين بقدر انعدمت معه الفوارق الفكرية والثقافية بين  المتعلمة وبقية الأميين الذين لا يتوفرون على وسائل العلم و المثاقفة.

ويبقى دور النخب المستنيرة في بلادنا معولا عليه بدرجة أكبر في مخاطبة الفكر وتوجيه الجهد المضاعف تلقاء الإنسان من أجل تبصيره بحقوقه وواجباته والكيفية الحاكمة لأداء الحقوق ونيل الواجبات!

ولو قايسنا تجارب الشعوب الأكثر تحضرا لواقعنا المرير فلقد يؤسفنا جدا حالنا، ولنا العبرة في تجربة الشعب الألماني الذي وصمته تهمة النازية لعقود من الزمان غير أنه بريء منها إذ عبرت تلك العقدة الآرية مع مبتدعها وحاميها أدولف هتلر، وبقي الشعب الألماني بحاضره وحضارته يلقننا دروسا بليغة في الفكر والثقافة إبان الهجمة الظواهرية الأفغانية على العالم الكافر وتوعد إبن لادن وتلاميذه للكفار بالقتل والتنكيل على قلة حيلتهم وهوانهم على الناس! حيث إنطلق الشعب الألماني للمكتبات لإقتناء الترجمات الألمانية للقرآن الكريم يقرأون عن القرآن الكريم وكيف ولماذا يدعوا القرآن لقتلهم؟

هذه الظاهرة الحضارية افرغت المكتبات في ألمانيا من نسخ القرآن المترجمة للغة الألمانية فنشطت الطباعة بشكل كبير لتغطية حاجة الألمان لنسخ القرآن من أجل الإطلاع عليها.

هذه مناسبة جادة تتعلق بتهديد أمن وسلامة شعب لكنه أراد أن يقف على ذهنيتنا من خلال معرفة نصوص ديننا الذي يدعونا للإرهاب ولكن يبدو أن لا علاقة لديننا بنا أو العكس، كما يبدو جليا أن طريقة معالجة الفهم لدى الألمان كانت أكثر تحضرا وعقلانية.

ولو بقينا في ألمانيا قليلا لشهدنا مبارة كرة القدم الشهيرة بين ألمانيا وإيطاليا في الدور النصف النهائي للعام ( 2006) وهي لو ذكرتنا بألمانيا هتلر وايطاليا موسيليني البائستين والحلف الذي قام بينهما فالمقارنة هناك أروع عند حلف مصر عبدالناصر وجزائر هوار ابي ميدين ونضالهما المشترك من أجل حرية وتقدم بلديهما، ولكن شعب ألمانيا هتلر وايطاليا موسليني قدما مثالا أروع وأبعد بكثير من جزائر ابي ميدين ومصر ناصر، إذ عندما انهزم الفريق الألماني في الدقائق الأخيرة من مباراة نصف النهائي في كأس العالم وفي عقر دارهم وبطريقة دراماتيكية سريعة لم يصدقها الألمان ولم نصدقها جميعنا، أصيب الألمان بالذهول وتم نقلهم للمستشفيات والبعض الآخر هام على وجهه في تلك الليلة في الشوارع والطرقات وقضى معظم مشجعي الفريق الألماني تلك الليلة في الشوارع والأرصفة بينما أنطلق مشجعو المنتخب الإيطالي بهتافاتهم وأفراحهم إلى المطار ثم إلى روما دون أن يمسسهم سؤ!

أخيرا يجب أن لا يكون حظنا من حادثة المبارة الشهيرة بأقل من حظ الشعوب المظلومة وحكوماتها الظالمة بحيث نستفيد من إرهاصاتها وتجلياتها متابعة ومراجعة لمساحات الحركة الإعلامية والحراك الجماهيري والفعل وردات الفعل من أجل مقايسة المحصلات الموجبة للجماهير ووسائط الإعلام والوسائل الأخرى لو وظفت في إتجاهات ثورة تغيير معرفي أو مناصرة قضايا جوهرية أو مناهضة عدو حقيقي!

هذه المراجعات تقودنا أيضا لرصد ردات فعل الشعب السوداني وحكومته ووسائل إعلامه التي استدرجتها وسائل الإعلام والسباب والشتائم المصرية لميدان المعركة سريعا وجاء ردهم بذات الرعونة والتهور من سباب وشتائم!

فردة فعل الشعب السوداني ووسائل إعلامه المقرؤ - حسب  متابعتي - كانت تسير في ذات السياق على أن السودان كان طرفا وسيطا في كل الأحوال، ولقد حاولت الجهات الرسمية السودانية توجيه اللوم لوسائل الإعلام المصرية من خلال التوجه المباشر للحكومة المصرية التي يفترض عليها أن تمنع وسائل إعلامها من الإساءة للسودان حسب فهم الحكومة السودانية!

وهذه في تقديرنا مفاهيم قابضة لغائية المنع والإطلاق.

نحن ندرك أن الحكومة المصرية ماكنت لتغض الطرف عن وسائل إعلامها لو كانت تتناول التحديات الحقيقية التي تعني مصر وتنهض بها وتحفظ كرامتها، ونعلم أن الحكومة السودانية من ناحيتها ماكانت لتطالب حكومة فرنسا او بريطانيا أو أي دولة أوربية أخرى أن تقمع وسائل إعلامها لو قامت تلك الأخيرة – مثلا - بشتم الشعب السوداني ورئيسه واستخفوا بهم، حيث تقف معايير الحريات وثقافة الديموقراطية وحرية التعبير دون أي طلب ولذلك فإن مطالبة الحكومة السودانية لنظيرتها المصرية تنم عن ثقافة أنظمتنا القابضة والتي تمثل عائقا كبيرا أمام جهود المخلصين للخروج بواقع بلداننا من حالة التراجع الفكري والغوغائية لدى قطاعات الشعب المختلفة والتسامي بهم لمستوى أعلى من المستوى الماثل أمامنا الآن والشواهد تنطق عن نفسها!

بينما كان أجدر بنا أن نحاكم بالنقد وسائل الإعلام المصرية وفلتات الشعب المصري أو غيره وأن ندير معركة الفكر من خلال وسائل إعلامنا المدنية حسبما يرى الشعب وآلياته وأوعيته الثقافية تنضح بما لديه.

هذه الأشياء لا تحزن المتأمل لما أحدثته من شرخ في العلاقة بين الشعوب فحسب ولكنها تنبه لأهمية وحتمية التحرك السريع والمدروس لمراجعة وصياغة قوالب ثقافية وإطلاق مشروع تثقيف فكري للمواطن العربي يستهدف صناعة النقلة النوعية في فهمه لحاجاته وحقوقه وللحرية كمبدأ مشترك يتسع للجميع ولا يتقاطع مع حريات الآخرين ويصادرها أو يسيء لها ويبقى القانون في كل الأحوال حاكما وعاملا تنظيميا في التنسيق  ومرجعيا عند الإستخدام غير المسؤول للحرية، عندئذ نستطيع أن نتحث عن المصالح العليا للشعوب.

وتبقى اشياء مضحكة خلفتها أزمة الجزائر ومصر الأخيرة!!

*          أولها أن الإتحاد الأوربي أبدى انزعاجه لإنفجار الأزمة بين مصر والجزائر على خلفية مباراة كرة قدم!!

*          ثانيها هو دعوة بعض الإسرائيليين كلا الشعبين المصري والجزائري بالهدؤ!!

*          ثالثها هو أن السيد عمر موسى اتصل بحكومات كل من مصر والجزائر والسودان لإحتواء الأزمة بين هذه البلدان والتي نتجت عن مباراة كرة قدم!!

*          رابعها هو أن الجماهير الجزائرية عندما حطت بطائراتها الحربية في مطار الخرطوم حولت شوارع الخرطوم وسياراته ومحاله لما يشبه المهرجان الجزائري في ساعات من خلال نشر أعلامها وشعاراتها بشكل مثير مما يدل على أننا نستطيع أن نفعل الكثير عندما نلهو!!

*          رابعها هو أن وسائل الإعلام المصرية والجزائرية أجادتا التمثيل والدبلجة والفبركة في مباراة كرة قدم ولا أدري كيف يكون شأنهما في الحروب.

*          خامسها أن السودانيين قد تحولوا لمهزلة الشعوب بعد أن فتحت عليهم الآلة الإعلامية المصرية نيرانها بحيث تحول الرئيس البشير " بذاته" لمهزلة ومحل سخرية وتبشيع دون تحرج، يبدو أن الأنظمة لدينا أصبحت ديموقراطية ونحن لا ندري!

*          سادسها أن الحكومة السودانية أصيبت في مقتل حين أتهمها الإعلام المصري ورجل الشارع بضعف الأداء الأمني وهي التي وظفت كل طاقات البلد في تجييش الجيوش وتدريب المليشيات لأكثر من عشرين عاما!!

*          سابعها مكاسسب سياسية: تنصيب السيد جمال مبارك جماهيريا ليصبح ملك مصر والسودان!

غريان – ليبيا

مدينة الرابطة

الأحد: 22/11/2009

abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]