تقليديا ظلت شؤون الحكم والعمل العام من صميم اهتمامات النخب المثقفة والمفكرة و( المتعلمة في مراحل مبكرة)، ولم يكن رجل الشارع العام إلا متبعا بسيطا، تحركه الشعارات الفضفاضة التي تلامس بعض المفاهيم المحدودة واللصيقة بشؤون حياته واحيانا دينه!
مما أسفر عن علاقة شائكة بين انظمة الحكم وبين قطاعات هذه النخب استرضاءا واستمالة وتلهية (إحتواءا) من جهة واستعداءا وترهيبا من جهة اخرى، فيما توزع اهتمام هذه الشريحة المثقفة والمتعلمة – إلى حد بعيد - بين  منازلة الاستبداد والفساد في الحكم وبين استنهاض الوعي  واليقظة والتعليم – ولو نظريا- بين شرائح المجتمع المختلفة بحسبان المعرفة هي الطريق الاقصر لتنمية مشاركة الشعوب في صياغة حياتها والمطالبة بقدر اكبر من العدالة والتنمية والحرية وحكم القانون، ليس في عهود الديكتاتوريات والحكومات الاوتوقراطية فحسب ولكن في عهود الديموقراطيات الوليدة والهشة جراء انعدام الوعي العام بمفرداتها واستحقاقاتها.
التجربة العملية اثبتت ان العلاقة بين الحكومات وبين النخب قد لا تكون هي الطريق الوحيدة لعامة الناس، بل وقد لا تمثل شريحة المثقفين، ولا تعكس معاناة الشارع العام وهمومه بشكل مباشر في ظل  انشغالها بقضايا فكرية وتفاصيل اكثر تعقيدا وترفا، مما خلق علاقة جديدة بين كثير من الانظمة ذات القيادات المنحدرة من طبقات الشعب الدنيا وبين جماهير الشعب (أمريكا اللاتينية)، تلبي رغبات الانسان العادي وتعكس تطلعاته البسيطة.

ما حدث في مصر بعيد الانتخابات الاولى بعد ثورة 25 ياناير يمثل فارقة إذ اعتبرنا ان وصول الرئيس المصري محمد مرسي لكرسي الحكم لم يتسنى من قبل شرائح المجتمع المستنيرة  ولا عامة نخبه المثقفة ممثلة في فنانيه ونقابييه و سياسييه في المدن الكبرى ومراكز الحضر، مما خلق هوة كبيرة بين انسان المدينة الاكثر تحضرا وبين البسطاء الأميين والأقل تعليما في انحاء مصر من قبيل الصعيد المصري وغيره، لكن هذه الهوة او الظاهرة الجديدة لم تكن حاسمة في اثبات فشل النظرة الكلاسيكية لشريحة النخب ومن جهة اخرى فإن النخب المثقفة رغم عدم رضاها وتوثبها لاسقاط رئيس حملته للسلطة طبقة غير متعلمة وغير مدركة لجسامة اختيارها لم تكن تملك مفاتيح الحل ولا القدرة على التصدي لرئيس شرعي جاء على اكتاف البسطاء وغير المتعلمين، لكن السلطة الحاكمة لم تظهر اهتماما ولا برامج لدعم هؤلاء البسطاء علاوة على استعدائها للشريحة النخبوية بتصرفاتها وقراراتها المتهورة وغير الحكيمة مما اكسبها عداوة النخب وسحب منها او اضعف مدافعة البسطاء والعامة فسقطت الحكومة على نحو غير قانوني، مسخوطا عليها من قبل النخب وغير مأسوف عليها من قبل العامة...
التجربة العملية هنا تضعنا بين مقارنة ما جرى في مصر وما جرى في بعض دول امريكا اللاتينية، بين انتصار النظرة الحديثة للعامة والاعتماد عليهم والتواصل معهم مباشرة وبين ما يمكن ان تقدمه هذه الحكومات من اجل اقناع هؤلاء العامة بجدوى اختيارهم دون الحاجة – بالطبع- لإستثارة الاخرين بقرارت وتصرفات غير محسوبة، لنقرر بأن سلوك الحكومات في كل الاحوال هو الذي يثبت أو ينفي صحة النظريات وليس البحث العلمي المجرد.

عبدالله عبدالعزيز الأحمر
طرابلس- جنزور
الأحد: 07/07/2013

abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]