في ورقة سابقة – أعددتها- عن المثقف ودوره في صناعة المعرفة، تحدثت كثيرا عن مشكل الآدوات المستخدمة في صناعة المعرفة، او القوالب التي نقدم من خلالها المعرفة لشرائح المجتمع كافة، وهي في مجملها تكون الكل المعرفي المفيد في غير حاجة لتوجيه ايديولوجي ما، كون الإستغراق في تقديم المعرفة بشتى صنوفها سيسلخ عن كثير من الأدوات والأوعية – غضبا- كل محاولة للتوجيه، وبتعبير آخر فكثير من هذه الأدوات غير قابلة للتوجيه اصلا، ولا يتبقي من ذلك إلا المحاولات اليائسة المتمثلة في تعليق لافتات تشير إلى خلفية المجموعة او المنظمة التي تقدم فكرة ما او تدعم مشروعا مجتمعيا توعويا في منحى ما.
تبادرت هذه الملاحظات إلى ذهني حال الحديث مع صديق صيدلاني من الشقيقة مصر، يقوم على صيدلية للأدوية في احد نواحي " دمنهور"، ولقد ظل يشكو – وبشهادتي- من كثير من مظاهر الجهل لدى رواد الصيدلية من الأهالي العاديين الذين يطلبون صنوفا معينة من الأدوية عكفوا على تناولها وفقا لوصفة الطبيب وعرفوها بإسمها وشكلها، وكانوا إذا قدمت لهم ذات الأدوية في غلاف مختلف او تمسية مختلفة كانوا ينكرونها ويرفضون ابتياعها، وصديقي هذا يستفرغ وسعه في الشرح والإقناع في وقت يتشبث فيه الزبون (المريض) برغبته في الدواء حسب الشكل والإسم الذي ألفه!
المفارقة انني اقضي الساعات الطويلة في الحوار مع هذا الصديق بخصوص مشكلات مجتمعنا، وفي ذات مرة طفق يشكو من ذات المشكلة المتقدمة، وللمرة الأولى يتبادر إلى ذهني ان اصرف نقدي عن جهل المجتمع إلى تقصير اهل التخصص بشكل مباشر، واهل الثقافة والفكر (المستنيرون) عموما بشكل غير مباشر في ابتدار وتعهد المواطن بالتوعية في مواسم راتبة في كل ما يعن لهم من احتياجات.
قلت له: العيب ليس في هؤلاء الناس، وفي تقديري ان محاولة توعيتهم في ساعات الشراء لا تخلو من جهد مضيع، ليس لإلحاح الزبون (المريض) فقط ولكن لعدم ثقته ايضا فيما يقال له بحسبان المتحدث صاحب غرض وفائدة.
عليه وبما أن توعية المواطن في مثل هذه الحالة تصنع مجتمعا اكثر معرفة وإدراكا لجوهر الأشياء من شكلها، فهي توفر على الصيادلة مجهودا كبيرا مهدر، وترمم جسور الثقة بينهم وبين المتلقي (المشتري)، وتيسر تعاطيهم للبضاعة (الأدوية) بمختلف علاماتها التجارية ما دامت الفعالية واحدة، هذا الدور بالطبع يفترض ان تقوم به الشركات المصنعة من خلال تنظيم معارض ليس في القاعات الكبرى والمؤتمرات، ولكن في الأحياء الصغيرة والنائية وفي المدن الكبيرة وسط الناس، وفي الشوارع، وفي المدارس، وفي وسائل الإعلام من خلال الإعلانات الإشهارية، بإشتراك عدد من المسوقين (الشركات)  والمختصين (الصيادلة) يقومون بتعريف المواطن بأهمية المادة الفعالة التي تقوم كل الشركات بتضمينها في منتجاتها حسب المقاييس المتعارف عليها علميا، وفيما عدا ذلك يكون لكل شركة علامتها التجارية واسمها الذي تضعه على الدواء.
هذه العملية هي واجب المختصين الذين ذكرنا وليست عملية تتطلب اهل السياسة، واهل الإتجاهات، لكنهم بقيامهم بها قد يطورون مفهوما متفق عليه ليتم تخصيص ساعات معينة في المدارس والجامعات والمعاهد يؤمها مجموعة المختصين يقومون بنشر الوعي بين هذه الشرائح الوسيطة بينهم وبين افراد مجتمعهم واسرهم، على ان يكون لشركات الأدوية دور التمويل لهكذا محاضرات بشكل منتظم وراتب، وان يكون لأهل الإختصاص دور في إعداد المبادرة ومخاطبة الجهات التعليمية في الدولة كي تتيح لهم مساحة متفق عليها، وفي نهاية الأمر سيكون ما يقدمه هؤلاء هو احد صور التنوير والمعرفة بدون حاجة للتفكير في اتجاهها، ولو قدرنا ان حاجات مجتمعنا لكثير من المعارف الحيوية التي لا تحتمل الإتجاهات والتوجيه لأدركنا ان ما نستهلكه من وقت في قضايا السياسة والدين على حواف التناقضات هو إهدار للوقت وإسراف في غير محله كون المجتمع متخلف ضائع بين كل هذه الإتجاهات من ناحية ومن ناحية اخرى فحاجته هي لأشياء اكثر اولية دون ان ينتبه لها أو له أحد!
تحياتي
عبدالله عبدالعزيز الأحمر
ايطاليا- سان جيوفاني
15 يوليو 2012

abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]