( السودان والثورة والمجهول)
إنطلاق موجات الإحتجاج الجماهيري في بعض مدن السودان جاءت متأخرة جدا، ليس قياسا على أو اقتداءا بثورات الربيع العربي التي تفجرت في بعض البلاد العربية المجاورة، ولكن قياسا لما حاق بالسودان من تشظي وظلم وفوضى وفساد في كل شيء تاهت معه بوصلة الجميع. فمن جهة لم تعد جماعة المؤتمر الوطني تدري من اين وكيف تستطيع لملمة اشلاء الوطن الممزق شريطة أن يتسنى ذلك تحت حكمها وسيطرتها، وصولا لمرحلة متطورة لم يعد فيها التشبث بالسلطة هدفا في حد ذاته بقدرما انه الضامن الوحيد والأخير لرموز تلك الجماعة من الملاحقات القانونية والمحاسبة داخليا وخارجيا.
من جهة اخرى فإن المعارضة هي الأخرى فقدت بوصلتها ولم تعد تدري من اين وكيف يمكن للوطن ان يستعيد حريته وعافيته وتحت شرط وحيد آخر هو ان تظل ذات القوى السياسية هي الوريث الشرعي للإنجاز لتعود إلينا بذات الوجوه وبذات الهلمجرات وتجار العملة وزعماء الطرق الصوفية والإسلاميون الجدد!
كل هذا ذهب مع الريح ولم يعد ممكنا، حتى الشعب السوداني نفسه لم يعد يدري كيف يمكن تحرير الوطن بشرط وحيد آخر ايضا ومختلف وهو ان يظل الوطن ملكا لكل الشعب السوداني، يشعرون فيه بالعدل والمساواة والحرية والكرامة.
والشريحة المستنيرة هي بشكل خاص لم تعد تدري إلاما يتجه قطار السودان، ولا كيف يمكن توجيه هذا القطار بحيث يبلغ – في نهاية المطاف- بر الأمان، مع اتفاق الجميع على ضرورة التغيير وانسياق الكثيرين بل وانسياقنا كلنا وراء قطار الثورة والشارع كي نزيل هذا النظام البئيس، ومع اننا جميعا ندعوا لهذا الخيار فإن التنبأ بجدواه في لملمة شمل الوطن وتضميد جراحه لا يعدو محض تفائل ونوايا حسنة مثلما ذهب إليه الصحفي المناضل " سيف الدولة حمدنا الله" في مقاله الأخير حيث أكد بأن جميع أزماتنا سوف تحل من تلقاء نفسها بمجرد زوال هذا النظام، وهي مجازفة لا يستطيع المرء التسليم بها عند إمعان النظر في عمق الأزمة التي تلف البلاد، ومن ناحية أخرى لا يمكن بحال من احوال لأحد هؤلاء المتفائلين او حتى المتشائمين ( مثلي) ان يقول لأبناء هذا الشعب: لا تثوروا!!
كلنا ندعوا للثورة وكلنا ندعوا لإزالة هذا النظام ولكننا كلنا لا ندري إلى أين نجته، وإلاما ينتهي بنا المصير؟
لهذا فبوصلة المراقبين والصحفيين والمحللين والمستنيرين هي الأخرى قد تاهت، تاهت لأن الثورة السودانية جاءت متأخرة جدا!
أقول هذا لأن ثورات الهامش عبرت عن نفسها بقوة السلاح وتحت قيادات جديدة، بعضها لم تكن معروفة في قاموس السياسة السودانية من قبل وبعضها انبثق عن تشكيلات حزبية مدنية لم يعد يؤمن بجدواها. هذه الثورات هي الأخرى لم تبد نضوجا في فكرها وجدية في إلتزام منطق موحد هادف لحل المشكل عندما انشغلت بالصراعات البينية  من اجل النفوذ وهي لم تقم موحدة لتتشظى بعد ذلك ولكنها في كثير من الأحيان نشأت متشظية ثم لم تلتزم بعد ذلك خطا يوحدها للتصدي لجوهر القضية والمشكلات التي يعاني منها المواطن في مناطق الهامش تخصيصا والسودان تعميما، مما سهل مهمة الحكومة في استقطاب بعضهم وإدخالهم في منافسات لم يعودوا منها بطائل سواءا الذين فاوضوا الحكومة وعادوا من ميدان الحرب او أولئك الذين ظلوا يحملون السلاح.
هذه الحركات لم يكن لها اصلا بوصلة تهتدي بها.
لكنهم يقولون بأنهم بمجرد سقوط النظام سوف يسلمون السلاح ولعل الأخ سيف الدولة حمدنا الله لم يرد المجاذفة بتخذيل الشباب السودانين وهم يخرجون للشوارع يواجهون قمع نظام الإنقاذ،  ولكنه جازف بحسن نواياه وتفائله المفرط في ان الأمر سينتهي بتسليم هذه الجماعات لسلاحها حال سقوط النظام، وهو الأمر الذي لن يحدث، لأن كثيرا من هذه الجماعات تخوض صراع نفوذ فيما بينها وتخشى كل منها من الأخرى، تماما مثل الصراع الذي خاضته احزاب الشمال الكبرى بين يدي الإستقلال وقبله عبر المؤامرات والدسائس التي سولت للبعض حتى ان يستعين بالمستعمر على الأخرين، وهم رغم قداسة الإستقلال وفرحة الوطن بعودة الحرية والإرادة الوطنية إلى ابناءه قد ضيعوا مساعي الوطن بذاك الصراع، والأن نحن بين يدي فئات اخرى تخوض الصراع فيما بينها ولكن بشكل مسلح هذه المرة، ومن ناحية اخرى فإن كثيرا من هذه القوى يكتسب اهميته ومحوريته الأساسية من هذا السلاح الذي يحمله، وهو الذي خوله مفاوضة الحكومة ( اقوى الأطراف على الإطلاق) وهو الذي يخوله مفاوضة الأحزاب والقوى السياسية التي ترجو وتتمنى وتنتظر ان تكلل تضحيات الشعب السوداني ومعاناته بالنجاح في إسقاط هذا النظام كي يخرجوا من قوقعتهم للمنابر والمؤتمرات من جديد، لكن هذه القوى السياسية التي ضيعت الوطن بمؤامراتها من قبل سوف تتوه - هذه المرة-  بين مسلحي الحكومة ومسلحي المعارضة والوطن بين هؤلاء جميعا هو في كف عفريت.
ومع ذلك فنحن ندعوا للثورة على هذا النظام ونبذل في ذلك ما استطعنا من نصح وتشجيع ونوايا حسنة ولكننا ندعو الجميع للتأمل في مآلات ما بعد الثورة والتغيير!!

عبدالله عبدالعزيز الأحمر
ايطاليا – فروزينوني
30يونيو 2012


abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]