(رسالة للسيدة أم سلمى الصادق المهدي)

محنة الشعب السوداني في فوات الربيع العربي لا يواسيهم فيها غير تتابع فصول السنة التي تأتي حتما بربيع آخر، لكن الصمت مهيب!
الكثير من المهتمين بتحليل هذا الجمود والصمت الرهيب في السودان - وهو احوج ما يكون للتغيير- إحتار دليلهم، فثمة من يرى بأن ثورات الربيع العربي كانت كفيلة بإشعال حماسة السودانيين للتغيير لولا تراخي وسلبية السودانيين، ثم يكتفي..
و الأمر - كما نرى ويرى  آخرون- لا يتوقف عند إدراك علة الجمود (السلبية) ولكن يتعداها لإدراك علة السلبية، لكي لا  نقول بجبن (السودانيين)  كما ردد ذلك المتظاهرون في جامعة الخرطوم: ( الشعب جوعان لكنه جبان!).
إذ من ناحية الجوع، فنحن نجزم بأن الشعب جائع بلا مزايدة، ثم نكتفي بذلك حتى نتبين اسباب صبره على الجوع والمهانة.
فالبعض يعلل سلبية السودانيين بضعف رابط  الإنتماء للوطن الكبير "السودان" كأحد تجليات ازمة الهوية لدينا، والإكتفاء بنزوع إقليمية تعالج المشاكل الكلية على اسس جزئية مناطقية تجسد الحل في مفارقة ركب الدولة والإكتفاء من ذلك بالإنفصال كما فعل الجنوبيون.
ولو سلمنا بأن الجنوبيين كانوا لا يتشاركون احساس المواطنة، ولا وعي الهوية الواحدة مع بقية اهل السودان الشمالي فهم قد اصابوا في تفسير الواقع وعجزوا عن تغييره واقتصدوا من ذلك على انفسهم مفاصلة للجسم الغريب المعتل (السودان الكبير)، ولكننا بصدد البت في أمر المتبقي من السودان، ولنا في الجنوب المنفصل آمال نمسك عن ان نذهب بها ابعد من حد التعاون البناء والإبقاء على ميزات المواطنة المشتركة بما تحفظه من حريات يعرفها الجميع بداهة.

ولكننا بحال من الأحوال لا نقدم ذلك على البحث عن حق الشعوب السودانية المتبقية في جسم السودان المتبقي عن هذه الحريات، وهم يفتقدون ادناها.
حرية الإقامة والتملك (المناصير مثال لعدم توفر ذلك الحق).
حرية الحركة والتنقل ( تأشيرة الخروج التي لا يعمل بها في بلد غير السودان مثال لعدم تمتع السوداني بذلك، والبوابات الأمنية التي تقطع جسم الوطن الواحد، تقوم دون ذلك)
فالأمر في جوهره ليس جبنا في الطبع، وفي مجمله ليس ضعفا في رابط الإنتماء (الهوية) ولكنه إلى ضعف رابط الإنتماء فقر وانعدام مخل للحس المعرفي بماهية ومزايا الديموقراطية، أي مشكل (إستنارة) وهو ما عبر عنه الأستاذ عبدالعزيز الصاوي بقوله: لا ديموقراطية بلا ديموقراطيين ولا ديموقراطيين بدون استناريين.
ونحن هنا لا ننعى على النخب السياسية تقاعسها في نشر ثقافة الديموقراطية بين شرائح المجتمع بقدرما نرجوا اكتمال الحس الديموقراطي لدى هذه النخب من مفهوم ووعي وإدراك إلى ممارسة وتطبيق على مستويات العمل كلها مرسية بذلك قيم الديموقراطية بلا مساومة او تنازل او حلول وسط في نفاذها ...

اقول هذا الحديث وبين يدي مقال للسيدة  أم سلمى الصادق المهدي، بعنوان "  في جنوب دارفور وكوستي: معارك في غير معترك!"
تتحدث فيه عن امر إقالة الوالي " عبدالحميد موسى كاشا" وتولية خلفه " حماد اسماعيل " وما تبع ذلك من صدامات حيث تقول:  لكن الأخبار التي رشحت بعد مظاهرات نيالا (من عدة مصادر)تؤكد  أن كاشا لم يكتف بنتيجة تلك الانتخابات المزورة ليستمد منها شرعيته  لكنه سعى لكسب ود الأهالي وهو ما يحسب له .
خاصة أن الشعب السوداني شعب طيب لا يرفض من يتودد إليه وهو شعب متسامح يغفر غالبيته الأخطاء التي لا تستهدف شخصا بعينه (مثل تزوير الانتخابات)... انتهى حديث السيدة أم سلمى.

كما نرى فإن أم سلمى ترى ان تزوير الإنتخابات (خطأ) وهو في وقاع الأمر فعل لا يقل عن تصنيف (جريمة).
كيف يستوي ان يكون تزوير الإنتخابات "خطأ" وهو تعدي على حق شعب بأكمله؟
تزوير الإنتخابات هو تزوير لإرادة شعب وهو بالتالي جريمة في حق شعب بأكمله.
وهو جريمة في حق هؤلاء الذين تؤهلهم قدراتهم وثقة الناخبين فيهم ليكونوا في مواقع المسؤولية والحكم.
هذا جرم، أما الخطأ فهو ما وقعت فيه السيدة أم سلمى لأنها – قطعا- لا تقصد التهوين من أمر تزوير الإنتخابات ولا تقصد التقليل من شأن الديموقراطية والحكم الرشيد.
ولكنها دمغت الشعب السوداني بالطيبة التي يتحقق معها المغفرة في حق من زور الإنتخابات لعدم اختصاصها (كحق) بشخص بعينه! وهي إن لم تكن مخطئة في هذا فهي قد تحامت وصف الشعب السوداني بما يستحقه في هذه الحالة، وهي صفة كل جاهل بفداحة جرم التزوير لإرادة شعب لا يمكن ان تكون – بحال من الأحوال- التسامح ولا الطيبة..
وعندي أن مقالة السيدة أم سلمى تصلح كمدخل للحديث عن وعي الشعب السوداني بماهية الديموقراطية وموجوبيتها، وتصلح لأجل مناقشة فكرة "الطيبة" هذه التي يتصف بها الشعب السوداني!
وأرى من الأولى ان يجرى استبيان بين افراد الشعب السوداني، أو حتى بين قطاعات الشباب، حول قضية تزوير الإنتخابات، هل هي خطأ عابر أم جريمة لا تغتفر؟
مثل هذا الإستفتاء ربما لا يستقرئ رأي الشعب لو طرح بهذه الصيغة بقدرما يقدم من ايحاء خفي عن مطلوب الإجابة وفي هذا تنوير سريع وتعريف عام بفداحة جرم تزوير الإنتخابات، ومن يدري فلربما يبعث هذا التساؤل في قلوب السودانيين ما بعثته ابيات عمر بن ربيعة في نفس هارون الرشيد حين انشده ابو العود:  
ليت هندا انجزتنا ما تعد                  وشــــفت انفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحـــــدة                 إنما العاجــز من لا يستبد
ويقال ان الرشيد استوقفه في الشطر الأخير من البيت الثاني، وقيل أنه ظل يردد ذلك "إنما العاجز من لا يستبد" ثم قام من حينه على نكبة البرامكة المعروفة في التاريخ.
تحياتي
عبدالله عبدالعزيز الأحمر
سان جوفاني- ايطاليا
8 فبراير 2012
abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]