الأخ محمد جمال الدين يثير فينا تساؤلا حميدا حول مفهوم المجتمع المدني من خلال مشاركاته الواسعة في صفحة التداول الإجتماعي "فيس بوك" وما أحسبه يرمي لإعادة تعريف المجتمع المدني - كما يبدو-  بقدرما يقصد لإثارة مفهوم المجتمع المدني في دواخلنا كي يبعث فينا كل التساؤلات الملحة عن وجود مادي لـ " مجتمع مدني".
ولعله من ناحية أخرى يتساءل عن مدى إيماننا العميق بمدلولات المجتمع المدني!
وأستبعد أن تكون غايته مجرد التفريق بين المدلول الظاهري المجرد والمدلول الجوهري المادي، لكننا نعبر هذه المسافة في ذهن المتلقي سريعا كي نتدارك غاياتنا المنشودة.
إذ الإنسان بطبعه يميل للعيش في (كيانات بشرية) كما دلت على ذلك مسيرة آلاف السنين التي شهدت وجوده على كوكب الأرض، وتقفى علم الإجتماع أثر هذه التجربة الإنسانية العريقة ليحكم - بعد ذلك- بإجتماعية الجنس البشري فسمي إجتماع الناس (مجتمعا) وأختلف في أسباب هذه الميول الإجتماعية لدى البشر، حيث يرى "توماس هوبز" أن أصل الإجتماع البشري نتيجة منطقية لحاجة الإنسان لحماية مصالحه وتنظيمها تحت مظلة مجتمع يكون الفرد جزءا اصيلا فيه .
و يرى "جان جاك روسو" أن التجمع البشري يأتي كإستجابة لعوامل اقتصادية.
و يعنينا ان نضع تعريفا واضحا لـ "المجتمع المدني"  لغة وإصطلاحا، إذ المجتمع المدني لغة يتكون من مجتمع - بغض النظر عن دواعي إجتماعه- وبين المدنية التي هي من الحضر، بهذا فالمجتمع الحضري هو مجتمع مدني ولعلنا - لذلك- نرى أن أفلاطون قد أسس جمهوريته في المدينة الفاضلة، فهي مدينة من حيث الحضر وهي فاضلة من حيث مثالية القيم التي يراها أفلاطون...!
أما المجتمع المدني إصطلاحا فهو تعريف لا يمكن بلوغه دون الفصل - مؤقتا- بين الشعب والذي هو أحد مكونات الدولة بمعناها الشامل وبين الدولة (الحكومة)، ثم نمايز بين الدولة (الحكومة) ممثلة في آليات الحكم "مؤسسات حكم" وبين الشعب  ممثلا في مؤسساته المدنية، ليقوم الفصل التام والجوهري وغير المؤقت بين الدولة ومؤسساتها من ناحية وبين المجتمع ومؤسساته من ناحية اخرى.
و يكتفي بتسمية مجتمع مدني للدلالة على مؤسسات المجتمع غير الربحية وغير الحكومية ممثلة للشعب وكأنها هي المجتمع المدني ذاته لأرتباطها الوثيق والمباشر بالمجتمع تتقدمه في التنظيم والتخطيط ويتقدمها في الحركة والنشاط.
والحاجة ملحة - هنا- لتمثيل المجتمع من خلال مؤسسات كالتي ذكرنا لسببين:
أولهما: أن طاقات المجتمع "كل المجتمع" تذهب هباءا لو لم تنظم تحت لواء مؤسسات ضابطة و متخصصة تؤطرها و توجهها "كواجبات" وترعاها وتحميها "كحقوق"
والسبب الثاني هو داعي الإعتراف بأن الدولة " كجسم حاكم" فهي "مؤسسة حاكمة" - بغض النظر عن كونها مجموع مؤسسات منفصلة الصلاحيات و متكاملة (دولة ديموقراطية)، أو أنها مؤسسة أحادية (دولة اوتوقراطية) – فإنه يصعب في الحالين خطابها بشكل عفوي ساذج من قبل كل جماهير الشعب في شؤون الحياة الواسعة دون الحاجة لشكل من أشكال النظام، عليه فلا بد من وجود الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والإتحادات والروابط المهنية والثقافية والجمعيات والفرق الرياضية والمنتديات كلها من أجل تنظيم وتطوير أداء المجتمع.
وكما سبق فإني لا أتردد في إدراج الأحزاب السياسية تحت لواء منظمات المجتمع المدني لطبيعتها غير الربحية ولحيوية دورها في تطوير الحياة العامة دون الحاجة لأن تكون جزءا من الجهاز التنفيذي الحاكم ( لو أن احزابنا تدرك!!)
ولو كانت المجتمعات المتحضرة قد استبدلت الولاء القديم للقبيلة و الإثنيات والطوائف بالولاء لمثل هذه التجمعات الحضرية الحديثة فإن تراجع أداء هذه المؤسسات وانحسارها في أي مجتمع بشري وفي ظل حاجة الإنسان المستمرة للمظلة الجماعية يرتد به للروابط التقليدية فينحاز لمعهوده القديم في القبلية والجهوية مرة اخرى، بما في ذلك من ثوائر العصبية وروح الصراع.
يبقى أن نذكر ان دور هذه المؤسسات يمثل رافدا اساسيا للحراك المجتمعي ورقيبا وموجها وصانعا - احيانا- للسياسات العامة في الدولة من خلال تقييم وصناعة التوازن بين سلطة الدولة من جهة والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى ما يفسر جدلية العلاقة بينها وبين  الحكومات غير الديموقراطية بأشكالها المتعددة، إذ غالبا ما تلجأ الحكومات الشمولية لتحجيم نشاط مؤسسات المجتمع المدني و تقليص دورها في المجتمع وقد يبلغ الحال ببعض الحكومات ان تعمل على خلخلة هذه المؤسسات وتفتيتها بشكل فادح ينتج عنه ردة عنيفة لروابط العصبيات الجهوية والموروث القديم فينفرط عقد الدولة ويستحيل - عندئذ- التحاكم لأي منطق في غياب العقل الجمعي المنظم لرغبات المواطنين والمتمثل في هذه المؤسسات، والتجارب كثيرة في العالم وفي بلادنا السودان تخصيصا والتي يكاد الصراع فيها ينتهي لدعاوى جهوية رغم وجود أجسام مؤسساتية كثيرة غير فاعلة ومشلولة تماما جراء التضييق والمحاصرة وليس أدل على فشل السودانيين في التحاكم لمنطق يجمعهم من من شرزمة الأحزاب (بفعل الحكومة) إلى أجسام قزمية كثيرة عديمة البرامج والملامح وفاقدة لثقة المواطن والحكومة تحسب ان في ذلك خير!
وهل أشر من أن ييأس الموطن من قطاعاته المستنيرة ثم لا يجد بعد ذلك من طريق؟
أخيرا، إذا كانت الشفافية والديموقراطية والحرية وحكم القانون وتكافؤ الفرص واستتاب الأمن وتقديم الخدمات هي معايير نجاح الدول فإن وجود مؤسسات مجتمع مدني هو الدافع والضامن الأول لترقية الأداء في تلك المقاييس، بل وإن وجود منظمات مجتمع مدني كالمؤسسات البحثية ومراكز الدراسات هو السبب الرئيس في وضع هذه المعايير.
ولو نظرنا لتاريخ العالم الإسلامي الذي امتد لحوالي خمسة عشر قرنا من التنازع والحروب لنتساءل عن وجود أجسام " مجتمع مدني" هل ترانا نجد شيئا من ذلك او هل عسانا نعثر حتى على مؤسسات أو مرجعيات دينية تقوم مقام مؤسسات المجتمع المدني في دولة إسلامية يحكمها "الخليفة" وأمير المؤمنين؟
اتمنى أن يتاح لي أو لغيري البحث في هذا الموضوع، كما ارجو ان يتاح لنا جميعا المساهمة في تنمية الوعي بأهمية وحيوية الدور المناط بمؤسسات قد نكون نحن جزء منها بوعي وبلا وعي.
تحياتي


abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]