دارت في مخيلتي أسئلة محمولة بالإحباط عندما قرأت مقال السيد عادل الباز المنشور بتاريخ 25 يوليو على صفحات سودانايل تحت عنوان " ياسر عرمان واحلام الزمان "
وأحسب ان تعريف الزمان ب (ال) عن خطأ مطبعي مسموح أما لو كان يقصدها فسيصبح العنوان محيرا وفي حاجة لتفسير ايضا..!
أما ما ذهب إليه الباز في ذاك المقال من قفزات واجتهادات فهو الحيرة بعينها، إذ كان  شديد الإسفاف وكأن للرجل  في رؤاه حول الحكومة والأزمة السودانية عالم آخر يستلهم منه الأحداث ثم يخرج علينا با لأحكام  على صور لا نملك معها إلا الإشفاق عليه ثم الصبر الجميل.
فالسيد الكريم يفتتح مقاله المذكور بالبيان الصادر عن الحركة الشعبية قطاع الشمال والموقع من كل من السادة " ياسر عرمان وعبدالعزيز الحلو ومالك عقار"، ويرى أن الحركة الشعبية اختارت ان تقذف بالسودانيين في اتون حرب نتائجها المؤكدة هي خلق دولة فاشلة!
هذه الحقيقة كما يقول الأستاذ عبدالله الطيب تنظر بطرف العين لمؤشر الدول الفاشلة الصادر في يونيو المنقضي  عن صحيفة " الفورين افيرس" الأمريكية وتحمل ياسر عرمان وحربه على الحكومة المسؤولية بأثر رجعي وفات على كاتبنا أن يجد تبريرا لفشل الدولة السودانية في الأعوام السابقة لتمرد عرمان ومجموعته.
كل عاقل يدرك أن الإحتراب لا يجر على الكيانات البشرية غير الدمار والكراهية وبالتالي الفشل غير أن الخوض في شأن الفشل في دولة السودان يستدعي إعادة النظر في منشأ كل أزمة ودرجات تطورها وأدوار الجهات المختلفة فيها، ويسير على الأفهام وللوهلة الاولى ان تقرر فشل الحكومة السودانية - دون تدخل من أحد- في إدارة أزمة الفساد (مثلا) في أروقتها وترهل جسم الدولة الإداري دون دواعي منطقية وفشل الدولة حتى في إدارة حوار داخل كيانها الحزبي الواحد (المؤتمر الوطني) بشكل ديموقراطي فما بالنا نبحث للحكومة السودانية عن عدو خارجي – وهم كثير- يبدأون بقطاعات عريضة من الشعب المسحوق والمعارضة الحزبية وحاملي السلاح ومن يفكرون في حمل السلاح مرورا بدول اقليمية وعالمية وصولا لأمريكا وإسرائيل، وعند إسرائيل وأمريكا مربط الفرس فهما مصدر شقاء السودان والسودانيين( نظرية المؤامرة)!
لكن حتى وجود إسرائيل في قائمة العداوات للحكومة السودانية ( كدليل مؤامرة) لا يصنع لها مبرر فشل في إدارة ملفات كالتي ذكرنا ناهيك عن فشلها وعدم رغبتها في إدارة حوار جاد مع جميع القوى السياسية  السلمية والإكتفاء من ذلك بتسفيه هذه القوى والإستخفاف بها وهذه القوى والتيارات بدورها عاجزة عن أي فعل، هذه القوى السلمية ممثلة في الأحزاب التقليدية الكبرى وغيرها تتحمل دورا كبيرا في أسباب ضعفها وعجزها عن تنظيم جماهير الشعب السوداني في تظاهرات اقل ما يمكن ان تجنيه منها هو إيصال رسالة للحكومة بتصحيح المسار وإعتماد الحل الديموقراطي لقضايا البلاد.
لكن الهوة بين هذه الأحزاب وجماهيرها جعلت تتسع جراء إهمال الأحزاب لشكل العلاقة مع الجماهير وعدم ارتباطهم بشكل قاعدي بيوميات الحياة للشعب بشكل يوثق العلاقة ويبني الثقة بين الجماهير وقواها السياسية والمدنية ويجعلها مؤمنة بصدق توجهاتها في حال استنفرتهم للخروج والتظاهر.
أما بالنسبة للحكومة فضعف هذه الأحزاب لم يكن يتمثل فقط في عدم قدرتها على تحريك الشارع ولكن في عجزها عن حمل السلاح ياباز!
أليس في تهديد الرئيس البشير المتواصل ومساعديه ومستشاريه وإستفزازهم للآخرين بحمل السلاح لو استطاعوا من أجل إقتلاع هذه الحكومة أليس في ذلك عبرة ودليل للأستاذ الباز؟
ألم يذهب الرئيس لحد التأكيد بأن هذه الحكومة اقيمت بالبندقية وأن من أراد أن يقتلعها فليقتلعها بالبندقية؟
لا أدري كيف غابت هذه المعاني عن ذهن الباز وهو يكتب؟.
ثم إن الجولات الماراثونية للمفاوضات التي خاضتها الحكومة في السنوات القليلة الماضية، ألم تكن بناءا على التوازنات العسكرية، ألم يكن موقف الحكومة من أحمد عبدالواحد أنه لا يمثل حضورا عسكريا يذكر في الأرض ومن ثم فإن إعراضه عن التوقيع في ابوجا –آنذاك- لن يضير الإتفاق..؟
أننا لا نتفق مع عبالواحد بحال من الأحوال بل ونختلف معه فيما ذهب إليه ولكن تبرير الحكومة وفعلها لا يقومان إلا على مبدا التوازنات العسكرية ومنطق البندقية والقتل، بينما السيد عادل الباز في مقاله المثير هذا يقرر مرة ثانية أن العصر الحديث يصعد النضال السلمي كأداة حاسمة للشعوب لنيل حريتها وحقوقها وأن عرمان يحاول ان يعود بعجلة التاريخ للوراء بعودته لشعارات الكفاح المسلح، وأستأذن القاريء الكريم في ايراد مقطع من ذلك المقال: ((يرغب الأستاذ ياسر عرمان بإعادة عجلة التاريخ للوراء إذ عاد لشعارات الكفاح المسلح. تلك ممارسة قديمة انتهى عصرها ففي العصر الحديث يصعد النضال السلمي كأداة حاسمة للشعوب لنيل حريتها وحقوقها وويل لسياسي  لا يعيش عصره ويحاول استعادة نماذج مستجلبة من الماضي في حين أنَّ أفقا وعصرا أكثر إشرقا قد أطلا على البشرية وتنسمت الشعوب ربيع الثورات، من الخطر أن يعيش السياسيون في مراتع طفولتهم النضالية ولا يكتفون باستقاء العبر. كيف يمكن للسيد ياسر عرمان أن يفكر في بناء جيش يوزاي الجيش الوطني  في الشمال ويرغب في ذات الوقت أن يعمل كسياسي يعمد على تسجيل حزب مدني؟! كيف تسمح دولة تحترم نفسها بجيوش أو ملشيات تنتهك سيادتها وتعبث بأمنها. للسيد ياسر أن يعلن أنه تمرد على الدولة وحمل السلاح في وجهها ـ وذلك خيارـ لن يكون هنالك خيار بحمل السلاح وتكوين حزب سياسي)). انتهى كلام عادل الباز
لو كان للباز من ناصحين لحملوه على التراجع عن كثير مما ورد في هذا المقال أو على الأقل هذه الفقرة السابقة فالدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بجيوش او مليشيات تنتهك سيادتها ولكن عن اي سيادة يتدحث استاذنا الباز؟
لم يكن مستعدا استاذنا الباز هذه المرة.
أي حكومة محترمة لا تسمح بذلك، ولكن حكومة السودان سمحت بجيوش "مني اركوي مناوي" وسمحت بجيوش "الحركة الشعبية" وسمحت بجيوش العالم كله تجوب ارض الوطن وتنتهك – على حد وصفه- كرامة الدولة التي يتباكى عليها.
يبدو أن الباز لم يعد يقرأ الأخبار ناهيك عن قرآءة التاريخ.
فالحاجة ملحة وحتمية لمنطق علمي رصين لا يجهل او يتجاهل حركة التاريخ الحقيقية كجزء من الواقع المعاش وليس الأوهام المتخيلة، والحاضر السياسي يقول بإعوجاج مسلك الحكومة ومعارضيها (حاملي السلاح) والحمائم منهم  ويبقى الوزر الأكبر على الحكومة التي فرضت الدروب العسيرات على نفسها وعلى كل باحث عن حل لمشكلات الوطن المتفاقمة.
الحكومة بهذا المسلك، تدمر كل الحاضر والمستقبل ولا تستبقي كرامة لها ولا للوطن ولا للمعارضة ، فشأنهم كشأن المجنون الذي لا يهدأ حتى يهدم كل شيء فيهلك ويهلك كل من حوله.
وما اجتماع أهل الدراية والنقد والتحليل والنصح الذي يأتينا من هنا وهناك إلا للأخذ بيدهم لكي لا يهلكو ويهلكونا كما أوصى بذلك الرسول الكريم، وكنا نتعشم لو أن عادل الباز كان أحد هؤلاء.
وتزداد حيرتي حين يقول عادل الباز: ((مرة أخرى تخطئ الحركة إذ تحاول الاحتفاظ بجيشها وسيلة للضغط السياسي فلقد ولى زمان السلاح الذي يمكن أن يحقق مكاسب  ولو ذلك ممكنا لكان القذافي والسيد بشار اليوم منتصرين في حربهما ضد شعبيهما))
لا أظن المقارنة هنا بين حاملي السلاح في السودان وكلا من القذافي  وبشارالأسد تستوي إلا في فهم  السيد الباز، ولا أدري كيف ربط بين هذه وتلك وكيف يستطيع السيد الباز تبريرها اللهم إذا أراد القول ان هؤلاء المتمردين هم القابضين الآن على السلطة والبشير ومستشاروه وخاله يبحثون عن إعادة السلطة للشعب او لأنفسهم لا ادري.
حتى ميزان المقارنة من ناحية استخدام القوى لا يستوي ان ينظر إليه فلله در القرآء كيف يصبرون.
ثم يطرح السيد الباز سؤالا آخر حين يقول: (هل يمكن للسيد ياسر ورفاقه إخضاع الحكومة أو المؤتمر الوطني لأن بأيدهم سلاح؟)
لكنه لا يكلف القارئ المغلوب على امره مشقة الإجابة إذ يباغته بالجواب: ( محض وهم)
أخشى على السيد الباز ان يضطر في يوم للكتابة في جريدته الموقرة عن اتفاق عسكري بإعادة انتشار وتنظيم قوات الطرفين وما إلى ذلك من مصطلحات العسكريين الذين مسحوا من قاموس حياتنا كل مصطلحات المؤسسية والديموقراطية والمحاسبية والشفايفة وحكم القانون وتدرج السلطات حتى تصل للسطلة الرابعة التي يمثلها السيد الباز ... ليكتب لو اتيح له وهو يقظ.
ويختم السيد عادل الباز بالقول: ( من حق  السيد ياسر عرمان أن يحلم ولكن عليه وهو يسعى لتحقيق أحلامه فحص أدوات تحقيق الأحلام جيداً، إذ إن نماذجها متغيرة وليست صمدية ستخدام أدوات الضغط والتغيير تختلف من عصر الكفاح المسلح إلى عصر الثورة السلمية)
للسيد الباز ايضا الحق في أن يحلم ولكن لا يمكنه أن يكتب وهو مستغرق في الأحلام  فلابد لحامل القلم من اليقظة لأنه بذلك يستطيع فحص ادواته جيدا ايضا.
نعود للسؤال الذي طرحناه كعنوان لهذا المقال هل هكذا تسير عجلة التاريخ؟
للأسف أنها تسير
تسير جراء إخفاق السيد عادل الباز وإخفاق حكومته المبجلة وإخفاق ياسر عرمان ولا اريد ان أخوض في بحر أعمق قأقول ونتيجة لإخفاقنا جميعا كسودانيين!
تحياتي
عبدالله عبدالعزيز الحمر
ايطاليا- فروزينوني
26 يوليو 2011


abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]