أخيرا يتحرر السودانيون من عقدة الجغرافيا التي ظلت تلاحقهم لأكثر من نصف قرن بصفة وطنهم الكبير عربيا وافريقيا وكأنها  - بذلك- تحملهم عبأ لا يد لهم فيه ولا طاقة لهم  به، فتبا لـ "سايكوس -بيكو" التي رسمت لنا بلد المليون ميل مربع..!
لقد ظل هذا الوطن الكبير (جغرافيا) عبئا ماديا واخلاقيا ثقيلا على كل منتم إليه أن هل هو كبير حقا؟ وظلت هذه العبارات تحمل في معانيها تأنيبا مبطنا لكل الأنظمة الحاكمة وكل النخب الفاعلة ولكل جدوى عمل ولكل صباح تشرق فيه شمس على فعل سوداني.
لكن عبارات الوطن الكبير المترامي وخيراته المتناثرة وتنوع متساكنيه وثراء موروثاتهم وعراقة امتداداتهم في جوف التاريخ جعلت تتردد بشكل منهجي غريب لم يخلق تشريفا بمستوى ذاك التكليف بقدرما أسهم في خلق عقل باطن مشحون بحقيقة الوطن الكبير دون تعريف دقيق لماهية ذاك الكبر (بضم الكاف)..
لقد كانت قسمة الجغرافيا في غير محلها إذ اورثتنا وطنا كبيرا، أكبر من استيعابنا لحساسية التعايش على ارضه وإرساء قواعد السلم والتلاق البناء عليها.
من حيث كنا في أمس الحاجة لنخبنا المستنيرة وحكوماتنا ان تمهد لنا طريق العمل الجماعي من أجل هذا الوطن الكبير لكن النخب استنفذت مقدورها في مناهضة الحكومات العسكرية التي استهلكت قرابة الخمسة عقود من عمر الإستقلال في قمع الشعوب.
وكأن الجميع فقدوا بوصلتهم بعد رحيل المستعمر عن أرض الوطن ( الكبير) وكأن الإستقلال كان في حده الأعلى يعني الإستقلال من أجل الإستقلال.
فكان وطننا كبيرا بحجم الفشل الذي في دواخلنا وكان وطنا غائبا عن الوجود على امتداد الغيبوبة التي لازمت تفكيرنا في نصف قرن من زمان.
لم نكن نستحق هذا الوطن الكبير إذ اتكأنا لأكذوبة أننا البلد الأعظم محليا على وزن الأكبر جغرافيا، نتخيلها في أحلام يقظتنا!، ولا نمايز بين عظيم وكبير ولا نفرق بين كبير جغرافيا وكبير على مستوى دولة وشعب وحضارة.
إننا يا أخوتي نتحمل جميعا نتائج هذا السقوط الجماعي عندما نفتح أعيننا على هذه الحقائق التي لا يمثل إنفصال الجنوب إلا فصلا من فصولها ولعله يمثل نقطة  الوصول لقاع الهاوية كي ندرك أننا أمام خيار واحد هو العمل من أجل الصعود.
و يذكرني مانحن عليه من فشل مقالا مفيدا قرأته في الأيام القليلة الماضية للأستاذ بدر الدين الهاشمي بعنوان" السودانيون: هل صاروا أسرى للماضي؟" وكان يتحدث فيه عن العقلية السودانية المشبعة بالتذكر للآفل من مسرات وتقييد الجمال كل الجمال في المنصرم من ليالي، وأيام، ثم يمضي في مقالته حتى يبلغ درجة الحكم بأن الأجمل هو مالم نشهده بعد حين يقول: لا تكاد تجد من يقول للشباب أن أجمل الألحان هي التي لم توضع بعد، وأن أعذب الشعر هو الذي ينتظر التأليف وأن أعظم القص هو الذي لم يطلع عليه الناس بعد!
هذه كانت نظرته لعقليتنا التي اتكأت لتمجيد الماضي طويلا في غير استشراف لمستقبل زاهر يأتي بإعمال العقل والثقة في النفس والمحاولة وتكرار المحاولة من أجل بناء جديد أجمل، واستطيع ان ازن على ذلك ان السودان الكبير الذي نتخيله هو السودان الذي لم نصنعه نحن بعد.
وأن لو كان لفصل جنوب السودان عن شماله من حسنة نجنيها فهي اسقاط البعد الحغرافي عن السودان بشكل نهائي وربما حتى اسقاط اسمه، ويبقى للسودانيين وطن صغير بكل المقاييس الجغرافية والوجودية، فهم بذلك أمام تحدي صناعة الذات في ان يكونوا أمة كبيرة ووطنا كبير او يظلوا كما هم، ومن ناحية أخرى فالإنفصال يزيل عن كاهلنا عبأ الجغرافيا وسوف لن يتهكم بنا الآخرون - ضمنا-  بقولهم أن السودان اكبر دولة عربية وافريقية...
لقد أعادتنا اتفاقية نيفاشا وانفصال الجنوب لحجمنا الحقيقي اخيرا ...
والسودان الكبير هو السودان الذي لم نصنعه بعد، والحضارة الفريدة في بلادنا هي الحضارة التي لم نرسي دعائمها على الأرض بعد بل ويتشكك الناس من حولنا في قدرتنا على صناعتها.
السودان الكبير هو السودان الذي لم نصنعه بعد.
والسودان الصغير هو السودان الموجود الآن!
عفوا بعد الرابع عشر من فبراير!
فهل نحن على موعد مع سودان كبير؟

عبدالله عبدالعزيز الأحمر
طرابلس – ليبيا
22. 01. 2011
abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]