يتيسر للكثيرين من مثقفينا التعبير عما يجول  بخواطرهم وما يشتغل في عقولهم من افكار مبتكرة ونقدية تتقارب وتتباعد مع المطروح من عقائد فكرية وأدبية وفنية.

فالحرية التي تنشدها المجتمعات البشرية هي حرية خلق الذات الفكرية يليها من بعد ذلك حرية التعبير عن تلك الذات مشافهة بشتى صور التعبير النطقي وحركيا بشتى صور التعبير الجسدي كالرقص واليوقا والتأمل والتعبد وفنا كالرسم والنحت بشتى صورها المعروفة وكتابة بكل أنواع الكتابة الأدبية والعلمية.

والشعوب من خلال تلك الصور التعبيرية المختلفة إنما تنم عن ذات مرتبطة بالآخر تريد أن تنقل إنفعالاتها إليه كدلالة غير مباشرة على إجتماعية النوع البشري، وعن ذات مرتبطة بقوى فوقية كدلالة على حاجة الإنسان المستمرة لمعبود.

ليس اختيارا إذا وقوفي عند عنصر الكتابة من بين هذه الفنون المتعددة حيث قادتني إليه مقادير غائية صرفة بما للكلمة من معنى، فما الكتابة من أجل الكتابة ولا الفن من أجل الفن كما يعتقد البعض في تقديري المتواضع!

إذ لابد من الوقوف عند مرامي وكيفيات التعبير الإيجابي كأحد الروافع المعول عليها في بناء وتشكيل الرأي العام من خلال مخاطبة إشكالاته و مناقشتها بشكل مهني.

وفرضية الإيجاب هذه تفرد بدورها سؤالا موضوعيا حول معيارية الإيجاب!

أليس يعتبر معيارا نسبيا؟

لكنها لا تغفل مشاعية الحرية للجميع في حدود إحترام أفكار وتوجهات الآخر والتسامي عن المناكفات الصغيرة على أنها الوعاء الإيجابي الجامع ثم تنفسح بعد ذلك قابلية التباين والإختلاف داخل هذا الإطار، فتسهم بذلك الكتابة في صناعة عقل جمعي مميز للأحداث ومتأثرا بعقيدة الكاتب – أحيانا- رضينا أو ابينا.

والكتابة قطعا تمثل جسرا لمرامينا الفكرية المختلفة نواصل بها الآخرين وننبي بها عن ذواتنا! وهي - إلى ذلك- تمثل إحترافا لدى الكثيرين، وهواية لدى آخرين يرتادونها على حين غفلة من تراكم مشاغل الحياة.

ولو كان معيار ثقافة الشعوب يقاس بعدد قرائها فإن مصيبتنا حينذاك قد تضحي مصيبتان، إذ يتناقص عدد القرأء في مجتمعنا يوما بعد آخر ويضطرد عدد الكتاب غير المبالين بأهمية ومحورية الكلمة حين تقال! وكأن حظ القارئ منا حين يقرا هو أن يصطدم بهكذا كتاب لا يعبهون بوزن الكلمة وأثرها ولا وقت القارئ وعقله!

هذه العلاقة العكسية تعبر عن واقع منطقي يحيلنا بشكل مباشر لأهمية رفع الوعي بأهمية القرآءة لدى الإنسان فيرتفع وفقا لذلك الحس العام بمقاييس الفن والمهنية العالية والإحتراف المستحق فتتنامى علاقة عكسية أخرى في إتجاه موجب هذه المرة دليله توافر القارىء الحذق الشقوف الولوف الطروب وإحساس الكاتب ببراعة العين المتأملة الفاحصة الناقدة لمنتوجه الفكري فيتسامى في كل شيء ويراقب كيفيات خروجه على القراء إحتراما لمحمولاتهم الفكرية واجتنابا للذلل بين يديهم، فيتنامى عدد القراء الجادين في حين يقل عدد الكتاب العبثيين..

فالعديد من الكتابات – بشكلها الذي نراه اليوم - لا أظنها تخضع لمراجعة ونقد ذاتي يسبق إعلانها للملأ ونشرها عليهم بشتى وسائل النشر المتاحة اليوم كنتاج فكري او سياسي أو أدبي.

فتضحي بذلك مرمى للنقد من لدن النظرة الأولى، وبقليل تأمل ربما تبدو الهنات من قبيل شخصنة الموضوعات وربطها بمتعلقات ذاتية قد لا تفيد القارئ كثيرا ولا تقدم له سوى ذريعة العزوف عن إكمال مدارستها، وتستهدف الآخرين بشكل أرعن، وغير قانوني وتفتح الباب أمام الردود والسجالات الغوغائية دون تقديم فائدة تذكر للقارئ المحايد الذي يستهدف المعلومة المفيدة والفن والأدب.

هذه المتلازمات السالبة – أحيانا كثيرة – تتجاوز الأفراد إعتباريين أو غير ذلك إلى جسم الوطن الكبير بالتصويب على العرقيات والتعدي على الرمزيات ذات الأثر، والتنطع على أبواب السياسة أحيانا كثيرة بأفكار تعبر عن خلط لما ينبغي أن تتأسس عليه حرية الرأي من أفكار ومواقف وبين الفقر المعلوماتي البين الذي يولد مواقف ليست بمواقف وآراء ليست بآراء.

والشواهد على ذلك ماثلة في العديد من الكتابات ولو انتقينا أحد المحاور التي راوح فيها العديد من الأخوة والأخوات كالنقد المصوب نحو أقاليم الشمال السوداني و محاكمة التاريخ السياسي الحديث أحيانا كثيرة بحسبانه تجسيدا لحقب التعالي والظلم الشمالي السافر على مواطني الجنوب، بحيث تتحرك الحدود جنوبا ليصبح الشمال كله مذنبا ومدانا تاريخيا، ثم تنكمش الحدود على نفسها تلقاء الوسط  عندما تستهوينا فكرة الدفاع عن الأطراف فيضحي الوسط مدانا و مذنبا ومتعالي تاريخيا.

هذه التقديرات غير المدروسة العواقب تحاول إلصاق التهم كل التهم والأخطاء التي اجترفتها القلة الحاكمة بالأكثرية المغلوبة على امرها المحكومة بمنطق القوة العسكرية والتوريث الثيوقراطي المستمد من خرافات توارثتها الأجيال المتعاقبة جراء تفشي الأمية والجهل ورعاية الهرطقات من قبل اقلية مدركة وذات مصلحة في استمرارية الجهل والأمية، ونحن أدعى لمحاسبة الرموز التي كرست للظلم ورعت التراجع الفكري شمالية كانت أو جنوبية، غربية أو شرقية بيد أن إنحيازنا الدائم للحرية والديموقراطية والتعايش السلمي بين كل فئات شعبنا يفرض علينا تحري الحقائق لو كنا نؤمن بضرورة الوحدة وجدواها، ولو كنا إنفصاليين فلا بأس في ذلك أيضا على أن نبين تماما من نحن ونحترم الحقائق التاريخية...

ولست أتجنى لو أشرت لتواضع الكثير من هذه الكتابات وافتقارها للضوابط اللغوية وخلوها - في حالات عديدة – من لمسة الفن التي تعطي الأشياء معانيها ورونقها.

هذه المسؤلية إنما تلقى على عواتق أصحاب الأقلام وتستوجب عليهم أن يتمهلوا في كل شأنهم وأن لا يسهموا – دون قصد -  في تعميق الجراح.

فحياتنا الخاصة والعامة في حاجة ملحة للتغيير السريع وتمكين حكم القانون وروح القانون وإشاعة الحريات وروح الحريات، وإجراء المصالحات الإجتماعية وتنصيب القانون حاكما بين كل المتنازعين، وإزكاء روح العمل والنظام ولو عزت مصيبتنا في وطننا فنحن أدعى لمقاربة حواشيها وتضييق هوة السقوط اللامتناهي بكل إدراكاتنا، وإني لأستغرب لمن يكتب ولا يعرف طريق القراءة كيف يستوي أمره!

يقول الدكتور أحمد الخميسي تحت عنوان " الخوف من الكتابة": إن الإلهام يحتاج إلي الحقيقة، ولكي تقال الحقيقة لابد أن يتبدد الخوف، ولابد أن يكون هناك إيمان قوي بها وبتأثيرها الاجتماعي والسياسي. وهو إيمان يحتاج إلى  تماسك إنساني وأخلاقي في مواجهة النفس، والآخرين، والمغريات، وفي مواجهة الشكوك في جدوى الكتابة.

ثم يعود ذات الكاتب ليذكرنا بأن الحقيقة أحيانا كثيرة تكون متاحة ومعروفة للجماهير بقدرما أنها مملوكة لدى الكتاب، فما جدوى أن يصوغها الكتاب مرة أخرى للجماهير في كلمات؟

والكلمات في نهاية الأمر لا تعدو كونها حروفا على ورق؟

إنها الحقيقة والرغبة في إشهار الحقيقة تقض مضاجع الجميع، بهدوء ، ليلا ونهارا.

ولو قايسنا أمرنا اليوم لما كان عليه الحال فيما قبل ثورة الإتصال والعولمة فالطريق كانت شاقة نحو إجازة الكتابة ومن ثم تعميمها على جماهير القراء، فالتجربة حينذاك كانت تجاز خلال معاينة دقيقة من قبل النقاد، هذه العودة للماضي لا تضعنا أمام تجارب كل المؤهلين الذين استثنتهم ظروفهم الخاصة ووضعيات مجتمعاتهم وطبائع الحراك الثقافي فيها بقدرما تبين لنا حجم التقدم الذي احرزته البشرية بإطلاق ثورة الإتصالات ووسائط الإعلام الهائلة، وتسني الفرص للكثيرين اليوم إن لم نقل للجميع للتعبير عن معتقداتهم الفكرية وتطلعاتهم بشكل أكثر طلاقة وتحرر من المتابعة بشكليها الإيجابي والسلبي، في صورة النقد الأمين الذي يجيز التجارب ويقومها والوجه الآخر الحاد من الظهور ،وبلا قيود بيروقراطية أو روتينية!

هذه الإنطلاقة ليست إلا وجها آخر لمباد الرأسمالية الليبرالية التي تتيح الأشياء كل الأشياء دون ضوابط أخلاقية أو حتى تنظيمية ضابطة، بحجة أن الضبط تصنعه دورة المنافسة الحرة وأن حجم الطلب والمطروح هما المنظم لآليات الإقتصاد، الإقتصاد الذي يدور في حلقة السياسة و ينتهي كلاهما عند بداية الآخر، يليها تحرير المبادي الإجتماعية والعلمية الأخرى من الضوابط، فينعدم بذلك الحاجز الرقابي بين العارض والمتلقي مهما كان العارض ومهما كانت بضاعته! والمتلقي في كل الأزمان هو إنسان الشارع العادي بخلفيته العامية في كل زمان ومكان.

من هنا نستشعر الصعوبة بل والخطر الأكيد الذي يتهدد موجوداتنا جميعها بالخلل.

ونحن إذ ننعت انفتاح الفضاءآت بالمهدد المباشر لكثير من القيم، لا يجدر بفطنتنا نسيان المساحة اللامحدودة التي نستطيع شغلها من أجل ترجيح كفة الإيجاب على الدوام من خلال إشعال الشمعات دوما في عمق الظلام!

من خلال إشعال الشمعات دوما في عمق الظلام.

دوما في عمق الظلام.

في عمق الظلام.

عبدالله عبدالعزيز الأحمر

15 ياناير 2010

غريان _ ليبيا

مدينة الرابطة

abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]