للذين يرتادون ليالي طرابلس الصيفية ويسمرون على مشارف البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحة الخضراء أو ميدان الشهداء موعد يتجدد كل ليلة مع امرأة بطعم السكر.

إمراة حديدية تسري في عروقها المتراخية دماء الشباب وهي إلى ذلك مزيج من عالمنا وعالمها.

فهي تدهم عالمنا بألف سؤال وسؤال.

كنا نرتاد بعض مقاهي طرابلس الممتدة على طول الشاطي الأبيض الذي يطوق المدينة القديمة من تلقاء الشرق والجنوب الشرقي، وللمدينة القديمة قصة أخرى وعشق قديم كعشق امرأة طبعت ملامحها الأبية في ذواكرنا، ورمزت لدل شفيف يخفق له شيء ما في دواخلنا.

في ليالي الصيف الوادعة الجميلة تبيع هذه المرأة بعضا من أزهار مصنوعة من البلاستيك وشيئا كالزينة و بضع من مناديل ولعب أطفال وأشياء أخرى لا أعرفها ولكنها تؤمن بفرصتها في الحياة سعيا على الأقدام، ومن خلال هذه الأشياء التي لا أعرفها،  تقتات من خطاها المسرعة الثابتة عزا يليه عز.

ترتاد الكورنيش جيئة وذهاب في دون تراخ أو رهق، تحمل وزنها ووزن بضاعتها ووزن قلبها الجسور.

تنازعنا انفسنا كثيرا ونحن نتجاذب أطراف الحديث عن جدوى الحياة، في ظل الماثل من صروف.

ماجدوى الحياة؟

يسكننا اليأس والعجز والريبة أحيانا في عدل الأيام!

لكنها امرأة بطعم السكر، وعبق الياسمين.

مرآها مقبلة من بعيد وهي تحمل بضاعتها المتواضعة المتشاكسة المتشاكلة كان دائما يلهمنا شيئا كالأمل وشيئا كالراحة بعد جهد.

لكنها لا تهدأ.

فهي مزيج من حيوية الشباب وعزمة وصبر ومثابرة المخضرمين في الحياة.

في ميدان الشهداء تقف مناضلة يوما بيوم.

لقد مضى الصيف بهدؤه ولياليه الملاح، لكن نفوسنا المضطربة لم تهدأ في فصل الشتاء فرحنا نبحث عن الهدؤ قبالة البحر مرة أخرى.

لقد أدمنا الصيف.

ونفوسنا الحيرى والبحر وأمراة أخرى لا صيف ولا هدؤ منذ اليوم.

مرة أخرى تطالعنا صاحبة الألعاب السحرية في الرصيف تمشي بذات الإصرار والإباء، وصرير الرياح والبرد والمطر، إننا نهرب للبحر ولليل وللسمر، وإذا اشتد البرد وطاردتنا الرياح نهرب من البحر ومن الليل ومن السمر لأننا نبحث عن لاشيء في ذاك المكان سوى التماس هدنة مع التفكير، وهي قد فكرت وقررت ثم انطلقت فقط للتنفيذ.

لا شيء يوقفها.

فالعدو من ورائها والنجاة كل النجاة أمامها، وهي تمشي بخطا أقرب للهرولة، تعلمنا دروس المقاومة والنضال حتى الرمق  الأخير.

وجهها في عمر الراحة والهدأة والإسترخاء لو أمهلها الزمان لكنها فيما يبدو تفجأ الزمان بعزمتها واصرارها فلا يدركها الزمان هاجعة بداء ، وهل كداء الزمان حين يكبلنا بقيود اليأس داء؟

هذه العجوز العصامية الواقفة في وجه  الزمان لو تأملها المتأمل فهي تبعث في نفسه كل الأحاسيس التي لا تنبغي لسواها، فهي إذ تتأمل قسماتها مفجوعة في مقاديرها التي تجول بها فوق الأرصفة وعذابات الأرصفة تحت المطر وصهيل الرياح، وهي عابسة في وجه الأيام التي تضحك على المتكين لزهيد الأمل ولفاقدي الأمل ليس بينهما من فوارق!

وتبعث فيك شعورا بالأمل والوقوف مرة بعد مرة..

وتبعث فيك حزنا شجيا لقسوة الأيام.

إنها كشجر الهجاليد التي ترسل جذورها عميقا في احشاء الأرض فتظل واقفة ترتوي  في السنوات العجاف ثم لا تقتلعها الرياح.

أو كشجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء.

أو كأمرأة بطعم النضال.

لجبينها الأشم ألف قبلة وقبلة.

وليعنيها آلاف الكلمات بلا همس أو صوت.

لعينيها نظرة ثم ابتسام..

 

عبدالله عبدالزيز الأحمر

طرابلس- ليبيا

30/01/2010

abdellah abdelaziz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]