عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

سارعت خطى سيارتنا الرئاسية يوم الخميس الماضي إلى مدني، لنكون ضمن شهود عدلٍ لمُخرجات افتتاح مهرجان السياحة والتسوق الثاني بولاية الجزيرة، كنت أود الاعتذار في باديء الأمر، لأن الدعوة وصلتني بأخرةٍ من الأخ الصديق الصادق إبراهيم الرزيقي رئيس الاتحاد العام للصحافيين السودانيين ورئيس التحرير بصحيفة "الانتباهة"، باسم الرئاسة، ولكنه حاججني في ضرورات الذهاب لنشهد بأم أعيننا الحراك الحقيقي الذي تشهده ولاية الجزيرة، منذ ان وطأت قدما الأخ الصديق محمد طاهر ايلا ولاية الجزيرة واليا، رغم حسرة أهل الشرق ومرارة جماهير البحر الاحمر من القرار الرئاسي الذي نزع عنهم ابنهم البار، بموافقة المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني، وطاعة ايلا نفسه لولي الأمر، بقبول التكليف. وأردف الرزيقي في حجاجه لاقناعي بالذهاب، تذكيري بالمثل الذي تعلمناه في رحلتنا معاً، ورهط من الرسلاء، إلى دارفور، وبالتحديد إلي مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور، "الراجل قيلة.. وال.." وبقية المثل يمنعني حياء عثمان وأدب علي من تكملة المثل، وألجأ في مثل هذه المضاغطات إلى قول (والمعنى واضح) لأستاذي الراحل البروفسور عبد الله الطيب - تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات –. وبالفعل تزاملنا في الرحلة إلى ودمدني حاضرة ولاية الجزيرة، شخصي ورسلائي الخُلص الصادق الرزيقي (الانتباهة) والنور أحمد النور (الصيحة) ومحمد الفاتح أحمد (ألوان). وزودت السائق سمير بمحاذير قيادة السيارة في شارع مدني، مع شئٍ من فقه القضاء المؤجل والقضاء المبرم.
وفي رأيي الخاص، كما أشرت في عجالة سابقة، إلى أنه لم تكن جماهير الشرق عامةً، ومواطني ولاية البحر الأحمر خاصةً، راضية عن هذا القرار الرئاسي الذي نزع منها فلذة كبدها، وألقى بها في يم الجزيرة المضطرب، وترك فؤادها فارغاً، كفؤاد أم موسى، ولكن أهل الشرق عُرفوا منذ قديم الزمان، منذ ان نُسب أحمد النجاشي إلى الحبشة، وأغمض بعض كتب التاريخ، قديمها وحديثها، حقيقة أنه منا أهل الشرق، ولقد زرت قبره في ضواحي مقلي، قبل عشر سنوات. وأن الإسلام دخل السودان من الشرق، وليس من الشمال مع عبد الله بن أبي السرح، كما ذهبت الى ذلك بعض كتب التاريخ. وهذا أمر يحتاج مني لتبيانٍ وتفصيلٍ، في عُجالات مقبلات كُثر. فأهل الشرق - يا هداك الله - من الذين يُنزلون في أنفسهم قول الله تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". عليه ارتضوا بالأمر الواقع، رغم ما بهم من خُصاصة، يعلمون علم اليقين أن ايلا لو استمر معهم في قيادة السفينة لعبر بهم أمواج البحر الأحمر الهادرة، ولساهم بفاعلية في إطعامهم من جوع ومسغبة، وتأمينهم من خوف ورهبة.
ما أن شارفت سيارتنا الرئاسية مشارف مدينة ودمدني، ولاحت قُبة الفقيه محمد الأمين مدني السني، مؤسس المدينة التي تحمل اسمه، حتى تزاحمت على هواتفنا الذكية الاتصالات الرئاسية من الأخ سلمان قادم السكرتير الصحافي في مكتب الرئيس، والولائية من الأخت إنعام عبد الحفيظ وزيرة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الجزيرة، تتبعاً لمقدمنا، واستعداداً لاستقبالنا. فما أن ولجنا قصر الضيافة بمدني حتى وجدنا الأخ سلمان قادم يشر إلينا بأداء الصلاة في مصلى قصر الضيافة، ولكنه بهمةٍ عاليةٍ، ونشاطٍ ملحوظٍ، رتب لنا مقابلة الأخ الرئيس عمر البشير للتحية والسلام، وبالفعل استقبلنا الأخ الرئيس عمر البشير بترحابٍ ومواددة، ومن ثم كان ذات الترحاب والمواددة من الإخوة الوزراء والأخت سعاد عبد الرازق وزيرة التربية والتعليم العام، ومن بين هؤلاء الوزراء كان لنا أصدقاءٌ خُلصٌ، سرهم مجيئنا، وسررنا بوجودهم، مؤزراةً للأخ الصديق محمد طاهر ايلا والي ولاية الجزيرة، الذي خصنا باستقبالٍ حارٍ بان، وحفاوةٍ باديةٍ للعيان. وبعد أحاديث المؤانسة العجلى مع الأخ الرئيس عمر البشير والوزراء الضيوف، ومع شئٍ من الضيافة، وتناول القهوة الشرقية. انطلقنا بسيارتنا الرئاسية، وسميرنا السائق، إلى أستاد مدني، لنكون شهوداً مع آخرين ذاكم اللقاء الجماهيري، إيذاناً بافتتاح فعاليات مهرجان السياحة والتسوق في نسخته الثانية بولاية الجزيرة.
كان حفل افتتاح فعاليات مهرجان السياحة والتسوق الثاني في أستاد مدني مساء يوم الخميس الماضي، حفلاً مشهوداً، ولقاءً محضوراً، وزاده العرض المدرسي، والاستعراض الطلابي، ألقا وفنا، وحماسة أغاني الامين البنّا، عرضا ومغنى، فطرب الملايين داخل الاستاد وخارجه، والتلفاز ينهض، ناقلا ومصورا، وانتشر الحبور والسرور في ارض المِحنة.
فلا غرو ان أكد من خلال ذاكم المهرجان البديع، الأخ الرئيس عمر البشيرالتزامه بإنفاذ مخرجات الحوار الوطني ومقرراته في تكوين حكومة وفاق وطني خلال الشهر المقبل. وثمن الرئيس عمر البشير جهود ايلا في إعمار ولاية الجزيرة وتطويرها في فترة قياسية، مشيداً بجهوده المخلصة في إنفاذ مشاريع تنموية في الولاية.
ولم تشذ المكونات السياسية في ولاية الجزيرة خلال هذا المهرجان بإظهار ما ساد في سابقات الأيام من صراعاتٍ وتقاطعاتٍ وتبايناتٍ سياسيةٍ بين الوالي والمجلس التشريعي الولائي، اعتراضاً على المنهج الذي يسعى ايلا لإنفاذه في التقويم والإصلاح، ومعالجة الخلل الإدارى والقصور السياسي، بأسلوبه الذى اتبعه في ولاية البحر الاحمر، فلم يجد هناك من صراعات وتقاطعات وتباينات سياسية مثل التى وجدها هنا، وان كان لم يسلم من ملاججة قلة من معارضيه.
أخلص إلى أن، ايلا ينبغى أن يستفيد من التفويض والدعم الرئاسي في تقريب شقة الخلاف مع معارضيه، في تجاوز مضاغطاتهم من أجل رفعة إنسان الجزيرة، ونهضة أرض الجزيرة. نحن أبناء الشرق أحرص ما نكون أن ينجح الأخ محمد طاهر ايلا في ولاية الجزيرة حتى يكون جديراً بالثقة الرئاسية من أن عطاءه لا ينبغى أن يُحصر في الشرق بين أهله، بل ينداح في ولايات السودان الأخرى، ليكون جُهده وعطاؤه وطنياً مخلصاً، وليس ولائياً حصرا. فهكذا نكون قد أعطينا الجزيرة، ابننا إيثاراً واختياراً.
ولنستذكر معه فى هذا الصدد، قول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبيء:
و إذا كانت النُّفوسُ كِباراً
تَعِبَت في مُرادِها الأجسامُ