عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم يكن لقاء الرئيس الأميركي المنتخب دونالد فريدريك مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في مقرها بمدينة نيويورك يوم الثلاثاء 22 نوفمبر 2016، في مبادرة منه لعقد ذاكم الاجتماع، بعد مُلاججةٍ وترددٍ منه، هو اللقاء السحري الذي يُنهي تلكم العلاقة المتوترة بينه وبين الصحيفة الأشهر. فالصحيفة حتى لو كانت إدارتها التحريرية ترغب في هدنة مع ترامب في مقبلات الأيام، إلا أنها لا يُمكن أن تحجر على كُتابها حرية الرأي، حتى لو أدى ذلك الى إحداث شئٍ من الخروقات لهذه الهدنة الناجمة عن ذاكم اللقاء الترمبي - النيويوركي. فلأن ذلك سيكون بمثابة حجر على حرية الرأي في الصحيفة. وبالفعل في اليوم التالي لذاكم اللقاء، أي يوم الأربعاء 23 نوفمبر 2016، كتب تشارلز بلو، كاتب الرأي الراتب في صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً بعنوان "لا يا ترامب لن نتفق"، قال فيه: "أُؤكد وبفخر أنني لم أحضر اجتماع الصحيفة مع ترامب، فمجرد فكرة جلوسي على ذات الطاولة مع زعيم دهماء يجد في مسائل العرق والدين فريسة له، يُثير غثياني.. ولن أتفق معه".
وليس خافياً على أحدٍ، أنه بعد فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية انتابت بعض المؤسسات الصحافية والإعلامية، كثير مخاوف من سعيه إلى سن تشريعات وقوانين عن طريق الكونغرس، تحد من حرية الصحافة في فترة رئاسته المقبلة، لا سيما ما شهدته حملته الانتخابية الرئاسية من انتقادات واتهامات. وكان لصحيفة "نيويورك تايمز" القدح المعلى في هذه الانتقادات والاتهامات التي تعرض لها ترامب خلال حملته الانتخابية. ولم تكن هذه المخاوف التي أبدتها بعض الوسائط الصحافية والإعلامية من فراغ، إذ أطلق ترامب بعض التهديدات في حملته الانتخابية، من أنه سيعيد النظر في التشريعات والقوانين المتعلقة بالقذف والتشهير. وقالت منظمة "مراسلون بلا حدود"، إنها شعرت بالهلع والانزعاج إزاء تهديدات ترامب، عندما أعلن في وقت سابق عن عزمه وتصميمه، على إعادة النظر في تشريعات وقوانين القذف والتشهير، المعمول بها في الولايات المتحدة الأميركية. وقال ترامب "أريد أن نتمكن من مقاضاة صحيفة "نيويورك تايمز" أو صحيفة "واشنطن بوست"، كلما نشرتا مقالات تنتقداني". وكان قد هدد اثناء حملته الانتخابية الرئاسية، أكثر من مرة بمقاضاة صحيفة "نيويورك تايمز"، بسبب نشرها روايات لسيدتين تتهمان ترامب بالتحرش بهما، باعتبار أن ذلك النشر كاد يهدد فرصه في الفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية، وشجع بعض السيدات لاتهامه بالتحرش بهن جنسياً في فترات متباعدة. ولوح مهدداً أكثر من مرة خلال حملته الانتخابية، بضرورة إعادة النظر في تشريعات وقوانين الصحافة، حيث أكد في لقائه بصحيفة "نيويورك تايمز" ضرورة فتح ملف قانون القذف وحرية الصحافة الذي تم اعتماده في عام 1964. وينص القانون الأميركي الحالي في هذا الخصوص، على حماية حرية الصحافة والوسائل الإعلامية عند انتقادها أو مهاجمتها لأي موظف حكومي، ويحاكم الناشر فقط في حال نقل معلومات خاطئة متعمداً بهدف التشهير.
وعلى الرغم من تردد ترامب في بادئ الأمر، من لقاء صحيفة "نيويورك تايمز"، إلا أنه قرر ممارسة أسلوب المواجهة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، ومن خلالها إيصال رسالة إلى الوسائط الصحافية والإعلامية الأخرى التي تخصصت في انتقاده أو الهجوم عليه، دون الإشارة إلى الإيجابيات والمبادرات التي تضمنتها حملته الانتخابية، مما جعله يصف تغطية بعض الوسائط الصحافية والإعلامية بالتغطية "غير النزيهة". وأحسب أن ذاكم اللقاء، كان بمثابة هدنة مؤقتة بين الرئيس المنتخب ترامب والصحيفة الأشهر "نيويورك تايمز" الأميركية، رغم ما شابها من اختراقات من بعض كتاب الصحيفة.
أخلص إلى ان، الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، كان سعيه إلى هذا اللقاء فيه قدرٌ من الفطنة والحصافة، لأنه من خلال ذاكم اللقاء، ومع الصحيفة الأكثر عداءً له، أراد تأكيد أنه على الرغم من عدم رضاه عن الصحيفة وغيرها من بعض الوسائط الصحافية والإعلامية، على استعداد للتعامل معها، ولن يهدد الوسائط الصحافية والإعلامية بتشديد قوانين القذف والتشهير. وكانت لفتةٌ بارعةٌ منه حتى تطمئن الوسائط الصحافية والإعلامية من أن الرئيس المنتخب ترامب عندما يباشر مهامه الرئاسية في العاشر من يناير المقبل، لن ينتقم منها بسن قوانين للقذف والتشهير مشددة عبر الكونغرس. كما أنه ختم لقاءه مع صحيفة "نيويورك تايمز"، ممازحاً منسوبيها بأنه من قرائها. وأضاف ضاحكاً، "أنا أقرأها (نيويورك تايمز) بالفعل مع الأسف"، فضحك الجميع.
يتضح لنا جلياُ من خلال كل هذا، أن العلائق بين الصحافة وكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، فيها قدرٌ من التكامل، وأن شابها بعض الالتباس والغموض، وأنها في بعض الأحايين علاقة ملتبسة. فالوسائط الصحافية تسعى جاهدة إلى المعلومات، من خلال الوصول إلى المسؤولين، في بحثها الدؤوب عما يميزها عن رسيلاتها الأخريات، حتى لا تكون نسخاً مكررة. بينما المسؤولون في الوزارات والموءسسات الحكومية وغير الحكومية يرغب أغلبهم في أن يستعين على قضاء حوائجهم بالكتمان، خشية الوقوع في الزلل، ومن ثم ردود فعل كبار المسؤولين أو الرأي العام. ويظن بعض هؤلاء المسؤولين – وليس كل الظن إثماً - أن الوسائط الصحافية والإعلامية، خاصة الصحافة تبحث عن السلبيات، وتتجاهل الإيجابيات. وكأنهم قرأوا العبارة الشهيرة للأميركي فيل دوناهو: "بالنسبة للصحافي الأخبار الجيدة، غالباً هي ليست بأخبار إطلاقا.”To a journalist, good news is often not news at all” وينبغي أن نقر بأن بعض الصحف تتعمد تحريف الكلم عن موضعه، بُغية الإثارة، حتى ولو جاءت على حساب الحقيقة. والحقيقة هي ضالة الصحافي أو هكذا ينبغي أن تكون القاعدة الأصولية في الصحافة.