عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أحسب أنه من المعلوم بالضرورة، أن قضية الدواء من القضايا المهمة، لأنها تتعلق بحياة الإنسان، وحياة الإنسان أغلى ما في هذا الكون، تصديقاً لقول الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً". لذلك أوليتُ قدراً مهماً من الاهتمام والمتابعة في كتاباتي لقضايا الصحة والطبابة، ولم يكن مستغرباً أن أفرد عُجالاتٍ كُثرٍ في هذا الخصوص من خلال "بحصافة"، وغير ذلك من وسائط صحافية وإعلامية أُخرى، بحكم إلمامي بملف الصحة والطبابة منذ سني عهدي الأول بالصحافة. ومن هنا اهتممتُ بقضية ارتفاع أسعار الدواء، وقمت بجولاتٍ في بعض صيدليات ولاية الخرطوم، وأجريت سلسلة من الاتصالات والتقيتُ العديد من مسؤولي القطاع الصحي، والمشتغلين بالعمل الصيدلاني، وأهل الخبرة والدربة في المجالات الصيدلانية، ومنهم الأخ الدكتور الزين عباس الفحل الأمين العام الجديد للصندوق القومي للأدوية والسموم والأخ الدكتور جمال خلف الله مدير عام الصندوق القومي للإمدادات الطبية والأخ الدكتور حسن بشير الجندي مديرعام صندوق الدواء الدائري بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم والأخ الدكتور بابكر عبد السلام وزير الصحة بولاية الخرطوم الأسبق والأخ البروفسور حسن محمد علي الأستاذ بكلية الصيدلة في الجامعة الوطنية والدكتور صلاح إبراهيم رئيس الاتحاد العام للصيادلة السودانيين، وغيرهم كُثر، إضافة إلى الاستفادة من فعاليات ندوة "الدواء.. المشاكل والحلول" ومُخرجاتها وتوصياتها التي نظمها "منتدى في رحاب الفكر" بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، التي شارك فيها عدد من مسؤولي القطاع الدوائي والصحي وآخرون، وذلك يوم السبت 3 ديسمبر 2016، في مباني الجامعة.
وأختتم هذه الحلقات الثلاث التي خصصتها لتداعيات ارتفاع أسعار الدواء على الصيدليات، وأخذت نماذج من صيدليات ولاية الخرطوم التي تقارب الألفين صيدلية. ومن الضروري التركيز هنا، على ما يخشاه أصحاب الصيدليات من إيقاف البونص أو تخفيض السعر الذي يعمل على امتصاص الخسائر، وتحقيق صافي أرباح يستخدمها أصحاب الصيدليات في معيشتهم وبالحد الأدنى. فعليه أود أن أُؤكد أنه إذا تم اتخاذ هذه القرارات المتعلقة بإيقاف البونص أو تخفيض السعر، سوف تغلق كثير من الصيدليات أبوابها، وستضيع فرص عمل للصيادلة والعاملين فيها، ومن ثم التضيق على أُسرٍ يكفلونها. وقرار ايقاف الرخصة (أ) خاصة توزيع، أيضاً من شأنه أن يقلل من فرص عمل الصيادلة. أليس من الأفضل ضبط عمل هذه الرخصة (أ) توزيع، بدلاً عن إيقافها؟ وهل إيقافها كان نتيجة لضعف آليات الرقابة الصيدلانية، أم لعدم جدواها؟
هنا ياتي سؤالٌ ثانٍ في حالة اتخاذ هذه القرارات، واستمرت الصيدليات التي تحقق مبيعات ضعيفة في العمل، فكيف تستمر، وهي بالعملية الحسابية أعلاها، تحقق خسائر لا محالة. هل ستكرس القرارات المتوقعة إلى لجوء أصحاب هذه الصيدليات إلى التجاوزات غير القانونية بشراء الدواء المكسور أو المهرب، وربما المغشوش أو ربما التحايل على الأسعار؟ وكيف نلومهم في ذلك؟ في ظل اتخاذ قرارات لا مرجعية ولا دراسة لها. وقد تتفاقم مشكلات الصيدليات في ظل الركود الذي يحدث للأدوية، حيث لا يستطيع معظم المواطنين على شراء الأدوية، نتيجة لظروف المضاغطات الاقتصادية والمالية التي يواجهونها. وبالتالي انخفاض إيرادات الصيدليات، نتيجة لهذه القرارات التي توفر فرص لا تصدق لخفافيش الظلام، الذين سيعملون في الدواء المهرب والمغشوش، حيث تسود فوضى بلا أخلاق. والمعروف أن أي قرارات تُنخذ ينبعي أن تهدف إلى الإصلاح، ولهذا لا يتم اتخاذها إلا بعد دراسة مستفيضة ومشاورة لكل الأطراف. عليه لا ينبغي أن تتخذ أي قرار، وأنت جالس على كرسي متخذ القرار، بل عليك أن تفكر في أن تتخذ قرارك، وأنت جالس مكان المعنيين بالقرار.
لم أعتمد في تحليل المعلومات التي جمعتها والوصول إلى مُخرجاتها، على مُجمل هذه المعلومات والبيانات، بل حرصتُ على التأكد من صحة نتائج هذه المحصلة الميدانية، بالرجوع إلى خبراء في مجال العمل الصيدلاني، بالقطاع العام والخاص، ومن هؤلاء الأخ الدكتور حسن بشير الجندي مديرعام صندوق الدواء الدائري بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم، الذي بعد مراجعةٍ ونقاشٍ، أفادني بصحة ما ذهبت إليه في عدم كفاية نسبة الربح 20%، لمقابلة تشغيل الصيدليات، مع تحفظه على البونص كجهةٍ حكوميةٍ، ومع ضرورة حصول الصيدليات على تخفيض في الأسعار، يساهم في استمرار عمل الصيدليات.
وفي رأيي الخاص، يجب العمل على إشعاع الثقافة الدوائية، بالنسبة للمواطنين، وبسط ثقافة التأمين الصحي ومفهومه، لمعالجة تداعيات زيادة أسعار الدواء على مرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة، خاصةً المرضى الذين يكونون في حاجة ماسة للأدوية المنقذة للحياة، عبر الوسائط الصحافية والإعلامية. وكذلك السعي الحثيث إلى إحداث قدرٍ من التوعية والتثقيف الصيدلاني لصيادلة من خلال التدريب المكثف لهؤلاء الصيادلة، لا سيما الصيادلة الذين تخصصوا في الصيدلة السريرية وانداحت خبراتهم المتميزة في المستشفيات والمراكز الصحية العامة والخاصة.
وأخلص إلى أنه من الضروري، أن يلتفت المسؤولون ومن تولوا أمر الدواء في هذه البلاد إلى هذه التحذيرات والمخاوف، التي أشرنا إليها في هذه العُجالة، حتى لا تنطبق عليهم، حكاية مطلقة عمرو بن عمرو بن عُدسٍ التي صارت مثلاً عربياً، فاقت شهرته الآفاق: "الصّيف ضيّعْتِ اللّبن". فعليه أيها السادة، أدركوا حال الصيدليات التي حالها كحال المرأة العربية التي صرخت وامعتصماه!