عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إيفاءً بما وعدت به القارئ من أنني في هذه العُجالة، سأثبت بالأرقام الحسابية والمرجعيات، من خلال نتائج جولتي الميدانية على الصيدليات عامة، وبالاتصال بخبراء في مجال تشغيل الصيدليات، ها أنا ذا أستهل حديثي مع الأخ الدكتور حسن بشير الجندي مديرعام صندوق الدواء الدائري بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم، باعتبار أنه أكبر مُقدم للخدمات الدوائية في المستشفيات والمراكز الصحية بالولاية، عن حقيقة المشكلات التي تواجهها الصيدليات في ولاية الخرطوم. وبدءاً قبل حديث الأخ الدكتور حسن بشير الجندي معي في هذا الصدد. سأقوم بعملية حسابية بسيطة وواضحة لإيرادات وأرباح ومصروفات الصيدليات التي لا تتعدى مبيعاتها ألفان جنيه فقط،، وهي من خلال البحث اتضح أنها 60% من الصيدليات، وهذه الصيدليات تعمل 14 ساعة بنظام الورديات، ومعظمها يعمل في المتوسط 25 يوم عملٍ في الشهر.
أورد هنا بشئٍ من التفصيل، عملية حسابية مالية، لتوضيح إيرادات ومصروفات وأرباح هذه الصيدليات، بولاية الخرطوم، كمثال لما نريد توضيحه:
· مباع 25 يوماً، هو 50 ألف جنيه.
· الربح الإجمالي 20% وهو 12.500ألأف جنيه.
· المصروفات على أقل تقدير كالآتي:
- مرتب الصيدلي في الوردية الأولى 002.5 جنيه.
- مرتب الصيدلي في الوردية الثانية 2.500 جنيه.
- تسجيل الصيدلي الشهري (الرخصة ب) 300 جنيه.
- أجرة العامل في الشهر 1.200 جنيه.
- إيجار الصيدلية (العقار) 1.500 جنيه.
- الضريبة الشهرية 600 جنيه.
- الكهرباء والمياه والنفايات 1.000 جنيه.
- الوجبات والضيافة 60 جنيه يوميا. وشهرياً 1.500 جنيه.
- مصروفات متنوعة للتشغيل (معينات عمل) مثل: أكياس تعبئة الدواء، وورق أقلام مواد نظافة 1.000 جنيه.
- مصروفات غير مرئية من فقدان أدوية وغيرها 1.000 جنيه.
- جملة المصروفات 13.100 جنيه.
- أي أن هنالك خسارة شهرية 600 جنيه، ناهيك عن مصروفات التاسيس.
وهنا يُطرح سؤالٌ مهمٌ، كيف تستمر الصيدليات في العمل وهي تحقق خسائر مستمرة في رأس مالها. فاشترك جميع الصيادلة وأصحاب الصيدليات في إجابة واحدة، وهي الاستفادة من التخفيض الخاص الذي يُمنح لهم مع كل شراء من الشركات وموزعي الأدوية، وهو إما تخفيض من السعر الرسمي أو اعطاء أدوية إضافية مجانية، في ما يُعرف بالبونص، ومعظم هذا التخفيض يُمنح لهم من الموزعين حاملي الرخصة (أ) خاصة توزيع، المزمع إلغائها. على الرغم من أنهم يساهمون مساهمة كبيرة في استمرار تشغيل هذه الصيدليات.
فسألتُ أصحاب هذه الصيدليات، ماذا عن المواد والسلع الأخرى، كمستلزمات الأسرة والتجميل التي تُباع في الصيدليات؟ وماذا عن طلبها واستهلاكها بواسطة الزبائن، وأرباحها؟ وهل هي أكبر، لتحقيق أرباح إضافية، تساهم في تقليل العجز المالي، الناجم عن تشغيل الصيدليات؟
وقد أفادني أصحاب الصيدليات بأن هذه السلع من مواد تجميل أو مستلزمات أسرية أخرى، لا تحقق هامش ربحي كبير، لوجود المنافسة الشديدة، وجميع المواطنين لهم وعي عالٍ بالسوق. ولذا في متوسطها تحقق أرباح لا تزيد عن ال20%. ويتخوف أصحاب الصيدليات الآن من صدور قرارات تضر بمصلحة الصيدليات والمواطنين. وهذه القرارات المتوقعة، ربما تُحدث نُدرة في سوق الدواء، وستكون عواقبها وخيمة، وتظهر تدريجياً، ولهذا يطالب أصحاب الصيدليات بأن يدرك متخذو القرارات عواقب اتخاذ أي قرارٍ، قبل صدوره. ومن القرارات المتوقعة، قرار يتعلق بإلغاء الرخصة (أ) خاصة توزيع، وهي اكبر مشغل للصيدليات. وقبل اتخاذ هذه القرارات أو الإبقاء عليها، يجب على المسؤولين النزول إلى الصيدليات وشركات الأدوية وشركات الرخصة (أ) خاصة توزيع، والاستماع إلى وجهات نظرهم حول هذه القضايا، ومعرفة دورهم وعدم الاعتماد على رأي أصحاب المصالح، وقد تكون لهم مصلحة في إلغاء هذه الرخصة، ومع العلم أن هذه الرخصة موجودة في معظم دول العالم، خاصة في أوروبا، وتُعرف ب(Sub Distributors) أي موزع فرعي، وليست (Sub Agent) أي وكيل فرعي، كما يتداول الآن خطأً، فهما مصطلحان يختلفان عن بعضهما البعض تماماً.
أخلص إلى أن، قضية الدواء من القضايا المهمة، لأنها تتعلق بحياة الإنسان، وحياة الإنسان أغلى ما في هذا الكون، لذلك أوليناها قدراً مهماً من الاهتمام. وفي الحلقة المقبلة سنركز على ما يخشاه أصحاب الصيدليات من إيقاف البونص أو تخفيض السعر الذي يعمل على امتصاص الخسائر. ونفصل الحديث عن البونص وما أدراك ما البونص!