عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جريمة رفع الدعم الحكومي عن السلع والمحروقات التي أعلنها بدر الدين محمود عباس وزير المالية أخيراً، كانت أكبر من أن يتحمل تداعياتها المواطنون. وظلت غُصة في حلق المسؤولين والمؤسسات الحكومية، تشريعية وتنفيذية. والمعلوم، أن البعض يتأثر تأثراً مباشراً بزيادة سعر البنزين والجازولين. وقد يتأثر الكل بأقل حدة بمثل هذه الزيادة، سواء أكانت في سياراتٍ يمتلكها، أو زراعةٍ يحرثها، أم في مواصلاتٍ يستخدمها، التأثر يكون بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لكن الزيادة في أسعار الدواء، فالأثر فيها مباشر، والتداعيات موجعة للكثيرين، بل لجميع المواطنين، لا سيما مرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة. ولذلك فكل ما بُذل في الأيام الماضيات، من تضميناتٍ ومعالجاتٍ، لم تفلح في تسكين الاختناق، وتهدئة الاحتقان الذي صاحب الزيادة الكبيرة في أسعار الدواء، وبعضها غير مبررٍ، حتى لبعض أصحاب الشركات ومصانع الدواء.
وفي رأيي الخاص، الدواء ليس سلعة، على الرغم من أن البعض يتعامل معه بهذه الصورة المجردة، ولكنه إكسير الحياة، يجب ألا يُحرم منه أحد مهما كان ضعف مقدرته المالية على اقتنائه. ومن هنا، كان لا بد من التشاور والتفاكر، وإعادة التفكير مع أهل الاختصاص في جهاتٍ مختلفةٍ، في أي قرار يُحرك أسعار الدواء من خانة المدعوم إلى خانة المحرر، لتشابك الشركات والصيدليات والتجار عموماً، وأصحاب المخازن والصيادلة والأطباء، كلهم شركاء في الدوء، إما أنه مصدر رزقهم، أو انه أداة من أدوات معيشتهم. وباستفساري لكثير من هؤلاء أنكر معظمهم لي، أن مشورة مثل هذه عُرضت عليهم، زُمراً أو فُرادى. ولعل ما صاحب التحرير من زيادة كبيرة في الأسعار، حتى في أسعار الإمدادات الطبية (وقد حصلت على نسخة من الأسعار الجديدة)، فاقت حتى الزيادة في سعر الصرف. واختفت كثير من الأدوية من الرفوف، وامتلأت المنازل. كل ينتظر مآل هذه المعركة، وبعضهم قفل منافذ البيع ليغير السعر.
وأحسب أن الحكومة قد تخبطت، بصورةٍ واضحةٍ وجليةٍ، في قرار رفع الدعم عن الدواء، وذلك لأسباب عديدة منها، أن الدولة بمؤسساتها المختلفة قد أصبحت المعوق الأول لانسياب الدواء، وعرقلة محاولات كثيرة بعلم أو بدون علم، لتخفيض سعره. فمجلس الصيدلة والسموم الذي ظلت تنتاشه السهام لعجزه عن تسجيل الأدوية للمصانع المحلية، وشركات الاستيراد، ظل يصرف كل وقته، وعظيم جُهده، في تسعيرة الدواء، وكأنه مصرف مالي، أو شركة تسويق. ومن المعلوم بالضرورة، أن سعر الدواء للشركة نفسها يتفاوت من دواءٍ إلى دواءٍ، معتمداً على طريقة الشراء وعُمر الدواء أي تاريخ صلاحيته، ومسائل أخرى يعلمها الصيادلة، وما رُشح في الوسائط الصحافية والإعلامية من أن المجلس كان يُسعر الدواء بأكثر من رغبة بعض الشركات. ففي الوقت الذي عجز المجلس عن إنشاء مصنع مرجعي للأدوية، يضمن الجودة بالسعر المناسب، صرف جلَ وقته، في مسائل مالية ليس مؤهلاً لها، ولا يملك نواصيها.
والتخبط الآخر، صندوق الإمدادات الطبية الذي حسب منطوق قرار تأسيسه، أصبح شركة احتكار كبيرة، تُمولها الدولة لزيادة رأس مالها. وانصرف مسؤولوها إلى وضع أسعارٍ مُجزيةٍ، وأرباحٍ تفوق ال 25 – 30%. واحتكرت الأدوية المنقذة للحياة، وأجرت المستشفيات جميعها للشراء من الإمدادات الطبية، بتسعيرة في بعض الأدوية أعلى مما هو عليه خارجها. وبقرار سيادي حجمت مؤسسات الدولة من الشراء المباشر إلا عبر الإمدادات الطبية التي أصبحت بين عشيةٍ وضحاها، المتحكم الأول في الأسعار تضع أرباحها بلا منافسة!
هذا غير الأدوية التي تشتريها الولايات، ووزارة الشؤون الاجتماعية والصحة الاتحادية، لمنحها مجاناً للمواطنين والذي ظلت تتقلص في عددها، نتيجةً للحرية الكاملة التي تتمتع بها الإمدادات الطبية في وضع ما تراه مناسباً من أسعار.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، هل المجلس القومي للصيدلة والسموم الذي ظل يخنق شركات الأدوية بتسعيرته، له سلطة على الإمدادات الطبية في استيراد الدواء وتسعيرته؟! أقول، بحكم قربي من ملفيَ الصحة والطبابة، لا، لأن قانون صندوق الإمدادات الطبية منح المسؤولين فيه الحرية في الاستيراد حتى وإن لم يوافق المجلس.
أخلص إلى أنه، ظل كثيرون يضعون اللوم على شركات الأدوية، لا نبرئ أحداً، ولكن هم في ظني – وليس كل الظن إثماً - وبحكم طبيعتهم التجارية، أقل المذنبين في خلق هذه الفوضى العارمة في الدواء. كان من الضروري، لإصحاح هذا الوضع الخطير، أن يذهب محمد الحسن العكد، ضحية وكبش فداء لهذا المسلسل المخزن، والتخبط المُخزئ من الإخفاقات في مجال الدواء، ولكن ليس وحده. فإن كان هو الأول، فينبغي أن يلحق به آخرون. فهناك دواء مجاني يوزع على الأطفال (يباع في بعض الولايات)، دواء طوارئ مجاناً، ودواء حوامل مجاناً، ودواء سرطانات مجاناً، تباع في الأسواق. ودواء يوزع عبر التأمين الصحي، والدواء الدوار، ودواء منظمات، ودواء مخازن البيع بالجملة. سوق لا يملك الفرد الناظر إليه أو المحلل لمشكلة الدواء إلا أن يُصاب بالدوار!