عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أفردت الوسائط الصحافية والإعلامية مساحات واسعة لقضية ارتفاع أسعار الأدوية، وهي أمر مستحق، إذ جعلت منها حديث الساعة، على الرغم من أن القرارات الاقتصادية الأخيرة، شكلت مضاغطة حقيقية لكثير من المواطنين، وعلى وجه الخصوص، على الشرائح المجتمعية الضعيفة، بمستوياتها الثلاثة: الفقر المدقع، والفقر المتوسط، والفقر. وبعد قرار الحكومة بتحرير سعر الدواء، بسبب أن بعض الشركات المصنعة للدواء جأرت بالشكوى من ارتفاع تكلفة انتاج الدواء وصناعته في السودان، فلذلك أن رفع شريحة من الأدوية بنسبة 20 في المائة قد يوفر إمكانية صناعة جزء من هذه الأدوية محلياً.
ومن المعلوم، أن البنك المركزي السوداني وضع ضوابط محددة لتحرير صرف الدولار، لاستيراد الأدوية عبر لجوء الشركات المستوردة إلى شراء الدولار بسعر السوق الموازية، بعدما كان البنك المَركزي يمنحها الدولار بسعر 7.6 جنيه، لتضطر إلى شرائه بما يتجاوز نحو 16 جنيهاً سودانياً للدولار الواحد.
وبرر مسؤولون حكوميون القرارات بقولهم إن توفر الدواء وبأسعار مرتفعة أفضل من عدمه، فضلاً عن أن عدم اللجوء إلى هذه القرارات من شأنه أن يشكل كارثة، ويصيب قطاع الدواء بالانهيار الكامل.
ووصفت اللجنة التمهيدية للصيادلة قرار تحرير أسعار الدواء بالكارثي، محذرة من أنه سيؤدي إلى انهيار الخدمة الطبية، ومضاعفة أسعار الأدوية، وجعلها فوق مقدرة المواطن. وقد أكد نصري مرقص رئيس شعبة الصيدليات ما ذهبت إليه اللجنة من أن قرارات البنك المركزي سترفع أسعار الدواء إلى 300%، خلافاً لما قدره البعض بنحو 130%، مشيرا إلى أن الفقراء من المرضي هم من سيدفعون ثمن هذا الخطأ. ويعتقد مرقص عدم وجود أية إيجابيات لقرارات البنك المركزي، واصفا مبرراته بأنها مضللة وغير حقيقية. ويذهب مرقص إلى أن القرار قد جانبه الصواب "والمعايير الأخلاقية والقيم الإنسانية"، مضيفاً إلى أنه كان على الحكومة أن تعالج الأمر عبر التفكير في بدائل أخرى، بدلاً من تحرير الصرف، والتوجه الراشد إلى ترشيد الصرف البذخي لمنظومات الدولة المختلفة.
وأحسب أن الكثيرين يخشون من ان هذه الزيادة ستكون كارثية، ما لم يرتبط استقرارها في معدلات محددة، وضرورة أن يعمل البنك المركزي جاهداً في توفير النقد الأجنبي. إذ أن تغيير سعر صرف الدولار، صار من سبعة جنيهات إلى 15.800 جنيه، وَمِمَّا لا شك فيه أن هذا الارتفاع في سعر الصرف، يقابله ارتفاع جنوني في الأسعار، وهذا ما حدث بالضبط حالياً. ويخشى البعض أن تحجم شركات الدواء من استيراده، فيحدث شُح في الأدوية بالصيدليات أو ترتفع الأسعار إلى الدرجة التي يجد كثير من المرضى استشكالاً حقيقياً في إمكانية شرائها لارتفاع أسعارها.
ويتضح جلياً، من قوائم الأدوية التي اعتمدتها وزارة الصحة الاتحادية، بالأسعار الجديدة بعد زيادتها 20 في المائة، حيث سيتم العمل فوراً بهذه الأسعار الجديدة. ومن الضروري، التأكيد على أن تسعير الأدوية شأن اتحادي، أي أنه من صلاحيات ومسؤوليات وزارة الصحة الاتحادية.
وفي رأيي الخاص، أنه ينبغي بعد اعلان قوائم الأدوية بالأسعار الجديدة التي يصعب شراؤها من قبل الشرائح المجتمعية الضعيفة، البحث عن معالجات لتفادي أخطار عدم حصول تلكم الشرائح المجتمعية الضعيفة للأدوية، لا سيما الأدوية المنقذة للحياة، من خلال التوعية المكثفة عبر الوسائط الصحافية والإعلامية بأهمية التأمين الصحي، لمواجهة غول الزيادات في أسعار الدواء إلى حين مراجعة هذا القرار الخطير. ويجب الاهتمام بمراعاة تداعياته على مرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة.
أخلص إلى أن، وزارة الصحة الاتحادية أعلنت قائمة الأدوية الأقل من 30 جنيهًا التى وافقت الحكومة على زيادة أسعارها بنسبة 20% والتى تضم مستحضرات علاج القلب والضغط والسكر والكبد والحساسية الأمراض النفسية والعصبية والالتهابات والعيون ونزلات البرد والمغص والعظام، ولكنها لم تشر إلى أي معالجات لتفادي مخاطر عجز مرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة الحصول على هذه الأدوية التي في بعض الأحيان، تصنف بأنها أدوية منفذة للحياة.
ولا ينبغي في هذا الصدد، اغفال إعلان الصندوق القومي للإمدادات الطبية، عن ترتيبات لافتتاح 70 صيدلية في ولايات السودان المختلفة، لبيع الدواء للمواطنين بأسعار مناسبة. ووجّه الصندوق، في تعميم صحافي، الولايات بالالتزام بالأسعار المحددة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار تخفيف العبء على المواطنين، خاصة الشرائح المجتمعية الضعيفة. وسيعمل الصندوق على توحيد أسعار الدواء بالصيدليات في جميع أنحاء السودان، بالإضافة إلى تثبيت أسعار الأدوية كأدوية الضغط والسكري، على الرغم من ارتفاع الدولار. كما انه من الضروري، أن يسهم ديوان الزكاة في معالجات ارتفاع أسعار الأدوية، وتداعياتها على مرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة من مصارف الزكاة. وأنه من المهم أيضا، أن يجد القائمون على الزكاة في المستويين الاتحادي والولائي سعة في مقاصد الزكاة، للمساهمة الفاعلة في تجنب المخاطر والمهالك، بالنسبة لمرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة غير القادرة على شراء الدواء، خاصة تلكم الأدوية المنقذة للحياة. ومن هنا نناشد كل منظومات المجتمع المدني للمساعدة في هذه المعالجات، تكافلاً اجتماعياً، وترابطاً مجتمعياً. وأحسب أنه من الضروري، بدلاً من أن نلعن الظلام، المتمثل في زيادة أسعار الأدوية، علينا ان نوقد شمعة، وذلك عن طريق البحث عن سبل ناجعة لمعالجة تداعيات هذه الزيادات على مرضى الشرائح المجتمعية الضعيفة، من خلال التأمين الصحي، والتكافل والتعاضد المجتمعي، والتعاون على البر والتقوى.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ".
وقول الشاعر العربي جرول بن أوس المعروف بالحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس