عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم يستفد السودان كثيراً من زيارة الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق إلى السودان، في ثلاثة أيام، للمشاركة في فعاليات منتدى كوالالمبور الفكري الذي يرأسه، لأن برنامج الزيارة كان مزدحماً باجتماعات ولقاءات المنتدى في يومي الخميس والجمعة. فقد كان الكثيرون من السودانيين يتوقعون أن يفطن المنظمون لهذا المنتدى إلى المصادفة التي لازمت هذه الزيارة، مع ظروف اقتصادية قاسية، ومضاغطات مالية مؤلمة، بعضها من تداعيات المقاطعة الاقتصادية الاميركية التي ألقت بظلالها على علائق السودان الاقتصادية والمالية مع كثير من دول العالم، الاستفادة من حضور الدكتور مهاتير محمد للإفادة من تجاربه في انتشال بلاده من هوةٍ اقتصاديةٍ معلومةٍ إلى مراقٍ ارتقت إليها ماليزيا، لتزاحم اقتصاديات دولٍ متقدمةٍ في النمو والازدهار الاقتصادي الذي تتوق إليه بلادنا حالياً للخروج من عنق الزجاجة في الاقتصاد والمال.
لم يكن صدى حديث مهاتير في ندوة محضورةٍ بقاعة الصداقة في الأول من نوفمبر 2012، عن كيفية تحقيق المشاريع النهضوية في ماليزيا، في مستهل رئاسته لمجلس الوزراء، رغم الفقر بعد الاستقلال، والانخفاض الملحوظ في دخل الفقر، بعيداً عن أذهان ذاكم الحضور الكثيف، وهو يروي لهم قصص نجاح ماليزيا ونهضتها الاقتصادية، لتصبح واحدة من أهم النمور الاقتصادية في جنوب شرق آسيا في تسعينات القرن الماضي. أحسب أننا اليوم كنا، أكثر استعداداً للانصات إليه حول تجربته في النهوض بماليزيا اقتصادياً ومالياً. ولكن لم تعمل المنظومة الداعية لمنتدى كوالالمبور الفكري بالخرطوم على إدخار بعض الوقت لمثل تلكم اللقاءات التي نحن في مسيس الحاجة إليها هذه الايام.
وأكبر الظن عندي، أن الكثيرين من الاقتصاديين السودانيين كانوا أكثر رغبةً في تنظيم لقاءات مع الدكتور مهاتير محمد، والانصات إلى حديث التجارب عن المشاريع الاقتصادية والمالية النهضوية في ماليزيا، لإحداث قدرٍ من المقاربة بين ماليزيا الأمس وسودان اليوم، في البحث عن كيفية الاستفادة من تجربته النهضوية في بلاده، من أجل بحث أنجع السبل في خروج بلادنا من أزماتنا ومضاغطاتنا الاقتصادية والمالية الراهنة. فقد كانت الظروف الاقتصادية الماليزية في مستهل عهده متشابهة، بينما المعالجات متباعدة. فالاقتصاد كان يعتمد كلياً على جمع وتصنيع المطاط فقط، ومُعدّل البطالة كان يزيد عن (50%)، وماليزيا لم تكن تتبنى أية أيديولوجيا سواء أكانت اشتراكية أو رأسمالية، بل كانت دولة براغماتية. وقال مهاتير في تلكم الندوة قبل أربع سنوات: "رغم وصول ماليزيا لاقتصاديات السوق العالمية فلم تكن لديها صعوبة في تقبل النظام الاقتصادي الاشتراكي، حيث قررت بعد الاستقلال الاعتماد على النظام الاشتراكي لمدة خمس سنوات، وكانت هذه هي الخُطة الخمسية، ثم تبعتها خطة عشرية ثم خطة ربع قرنية، وذلك بوضع الرؤى والأهداف لتحقيق البنى التحتية والتمكن في قيادة الاقتصاد ورقيه ليبلغ الآفاق". وأضاف: "في عام 1991 وضعت ماليزيا خطة تمكنها أن تصبح دولة كاملة النمو بحلول عام 2020، واعتمدت هذه الخطة الأخيرة على قيادة الاقتصاد برؤية ثاقبة مع الاهتمام بتجارب الدول الناجحة في هذا المجال. واليوم قد أنجزت ماليزيا الكثير مما وضعته لتخرج بشعبها للوصول إلى دولة كاملة النمو.
أخلص إلى أن، الدكتور مهاتير محمد رئيس منتدى كوالالمبور الفكري كان صريحاً خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية للمنتدى يوم الخميس الماضي، حيث أوضح بُعد الأمة الإسلامية عن الدين، وطالب بالعودة إلى القرآن الكريم، مشيراً إلى وجود خطأ في التفسير والممارسة العقائدية. وقال "إن المسلمين لا يصبحون أخوة طالما أن الاحتراب مستمر بينهم". وأكد "أن المسلمين لا يتبعون تعاليم الإسلام، وطريقة حياتهم بعيدة عن الطريقة التي أشار إليها الإسلام"، معلناً أن المنتدى بصدد مراجعة أمور العالم الإسلامي، وبحث الأوضاع السيئة التي تسود الأمة والدول الإسلامية. ودعا إلى محاسبة النفس والنظر إلى "الأخطاء التي ارتكبناها والعمل على تصويبها". لقد أضاعت المنظومة التي نظمت هذا المنتدى الإفادة من تجارب مهاتير النهضوية في ماليزيا، في بحثنا الدؤوب عن معالجات علمية وعملية، لأوضاعنا الاقتصادية والمالية الراهنة.
حدثني أخٌ عزيزٌ وصديقٌ حميمٌ، كان قد التقى الدكتور مهاتير محمد في ماليزيا قُبيل حضوره إلى السودان، أنه عندما سأله عن كيفية خروج السودان من أزمته الاقتصادية والمالية الراهنة، سأله عن عدد الأحزاب السياسية في السودان، فأجابه بأنها تزيد عن المائة حزب. قال إن الدولة الناجحة لا يتعدى أحزابها الرئيسية ثلاثة. فهلا راجعنا منظوماتنا الحزبية، لكي نكون من الدول الناجحة!
والمأمول أن يُلبي الدكتور مهاتير محمد دعوة جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، لتكريمه بمنحه درحة الدكتوراه الفخرية من الجامعة، للإفادة القصوى من حضوره في تنظيم برنامج مصاحب، يلتقي من خلاله مع اقتصاديين وماليين سودانيين، للتفاكر في كيفية إحداث مقاربة بين حلوله الاقتصادية في ماليزيا، والبحث عن معالجات حقيقية للوضع الاقتصادي السوداني الراهن.