عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تمر علينا الذكرى الثامنة والخمسين لانقلاب الفريق إبراهيم عبود غداً (الخميس). وقد استقطع ذاكم الانقلاب الأبيض الذي عرفه بعض السياسيين السودانيين، بأنه لم يكن انقلاباً عسكرياً، بل كان تسليم وتسلم من السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء آنذاك، والفريق إبراهيم عبود قائد الجيش وقتذاك. على كل، كان هذا أول انقلاب عسكري في 17 نوفمبر 1958، يشهده السودان بعد الاستقلال في الأول من يناير 1956، أي بعد تسع سنوات من أول انقلاب عسكري حدث في العالم العربي بسوريا في 30 مارس 1949، وفاتحة سلسلة من الانقلابات العسكرية، وهيمنة الجيش على الحياة السياسية في سوريا. ويعتبر انقلاب حسني الزعيم أول انقلاب في الشرق الأوسط وفي العالم العربي أيضاً، وفاتحة تدخل الجيوش العربية في سياسة بلادها الداخلية. وأُطيح بانقلاب الزعيم في أغسطس 1949، لتكون فترة حكمه قرابة أربعة أشهر ، بين 30 مارس و14 أغسطس 1949.
رأيتُ أنه من الضروري، أن أبسط القول في هذه العُجالة بهده المناسبة التاريخية، أي كان تقويمنا لها أو عليها، عن الصحافة السودانية في عهد الرئيس الراحل الفريق إبراهيم عبود، ليقيني أن الصحافة السودانية لم تجد من يؤرخ لها تاريخاً مفصلاً، مدعماً بالحقائق والوقائع، عن نشأتها وتطورها، بعيداً عن العاطفة الجياشة، والحماسة غير المبررة. فالباحث المتجرد عن الهوى والغرض، عن تاريخ الصحافة السودانية يجد كثير عناءٍ في الحصول على معلوماتٍ موثقةٍ عن بدايات هذه الصحافة، ولكن هنا وهناك شذراتٍ حاولت من خلالها إيجاد محصلة بحثية عن هذا التاريخ، الذي ذهب معظمه في صدور الرعيل الأول من الذين وضعوا الأُسس واللبنات الأولى للصحافة في السودان أولاً، ومن ثم للصحافة السودانية ثانياً. فقد أُتيح لي بحكم التخصص الأكاديمي، والانتماء المهني، للصحافة والإعلام، الإطلاع على الكثير من الكتابات التي انداحت في دوائر الصحافة السودانية، وأولتها كثير اهتمامٍ، ولكني أراها يغلب على الكثير منها الانطباعية، وتغيب في مباحثها، مناهج أصول البحث العلمي.
أحسب أنه من المهم، البدء في هذا الموضوع، بتوطئة عن تاريخ الصحافة السودانية، ليُلّم القارئ غير المتخصص، ببعض جوانب نشأة الصحافة السودانية، وكيفية تطورها عبر المراحل التاريخية المختلفة. فقد بدأ تاريخ الصحافة السودانية الحديثة في السودان بصدور صحيفة السودان في عام 1903. وصدرت نصف شهرية بواسطة بعض الشوام الذين يعملون في البلاد آنذاك، وكانت بداية نشر الدوريات في السودان في تاريخ سابق لصدور جريدة السودان، حيث أصدرت قوات كتشنر أثناء زحفها على السودان نشرتين، هما في عام 1896، وأصدرت الحكومة الاستعمارية في السودان عام 1899. وصدرت صحيفة النيل بتوجيه من السيد عبد الرحمن المهدي وترأس تحريرها حسين شريف، وصدرت في الثلاثينات من القرن الماضي صحف أدبية، انعكاساً للحركة الفكرية الثقافية انذاك، ومن أهمها مجلتا الفجر والنهضة. وكان عدد من السودانيين الذين تلقوا تعليمهم في مصر قد شاركوا بالكتابة في صحافة مصر وتأثروا بها. وصدر أول مرسوم لتنظيم مهنة الصحافة عام 1930، وكان يهدف إلى تكريس قبضة السلطات الاستعمارية على الصحافة التي أخذت آنذاك في النمو والتطور، خوفاً من دعم تطور الحركة الوطنية السودانية، إذ أن الصحافة السودانية كان تأثيرها واضحاً وجلياً، في بلورة الرأي العام السوداني من أجل المطالبة ببعض الحقوق السياسية. وبالفعل تطورت الحركة الوطنية عقب تصاعد نشاط مؤتمر الخريجين، وتبلور ذلكم النشاط في قيام الأحزاب السياسية التي أصدرت صحفاً خاصةً بها للتعبير عن أهدافها، حيث أصدر حزب الأمة صحيفة باسمه عام 1944، وأصدر حزب الأشقاء صحيفة باسمه عام 1948، والحزب الشيوعي الذي أصدر صحيفة الميدان، والأخوان المسلمون. وقد ساهمت الصحافة في تحقيق الاستقلال، وكانت أداة فاعلة في تعبئة الرأي العام حول قضايا التحرير والاستقلال، واستطاعت أن توحد جهود أبناء السودان لنيل الاستقلال في عام 1956.
في رايي الخاص، أن الكثيرين من السياسيين الذين نشطوا في الكتابة الصحافية، وانتسبوا إلى مهنة الصحافة إلى حين، في ثلاثينات وأربعينات ومطلع الخمسينات من القرن الماضي، كان أكبر همهم، أن تكون الصحافة أداة فاعلة من أدوات التغيير والتحرير. وأن بعضهم كانت مقاصده بينة في تحقيق مآربه الشخصية، وطموحاته السياسية من خلال انخراطه في العمل الصحافي. وبالفعل ما أن تحقق الاستقلال، وحقق أولئك النفر طموحاتهم السياسية، انصرفوا عنها غير عابئين بمصيرها، وهجروها غير مكترثين بما تؤول إليه، فلذلك حدث فراغ، فملأه للأسف بعض غير المؤهلين لحمل راية الصحافة. فعانت من تداعيات تلكم الهوة الى يوم الناس هذا.
وكان الاستاذ الراحل حسين شريف رائد الصحافة السودانية، يردد النداء الشهير "شعب بلا صحيفة إنسان بلا لسان". وظل يستميت في ترداد ذلكم النداء حتى على صفحات الصحف التي صدرت في السودان، وكانت أجنبية الملكية، حاثا السودانيين على اصدار صحف تعبر عنهم، حتى تحقق له ذلك بصدور صحيفة حضارة السودان في عام 1919، ومن ذلك الوقت لم تتوقف محاولات السودانيين بمختلف فئاتهم وتوجهاتهم ومناطقهم لاصدار الصحف، في إصدار متواصل لممارسة حقهم في حرية التعبير، رغم القيود القانونية والصعوبات الاقتصادية. وقامت لجنة توثيق تاريخ الصحافة السودانية في المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية بجهد مقدر للتوثيق لمسيرة الصحافة السودانية.
أخلص إلى أن، الفريق إبراهيم عبود بعد استيلائه للسلطة في 17 نوفمبر 1958، بانقلاب عسكري أو بتسليم وتسلم من عبد الله خليل رئيس الوزراء آنذاك، كما ذهبت بعض الروايات التاريخية إلى ذلك، بدأ أول عهده مع الصحافة بمزاوجة بين قوتين، ناعمة وغاشمة. فكان الأستاذ محمد عامر بشير فوراوي وكيل وزارة الإستعلامات آنذاك يمثل القوة الناعمة في تعامل عهد عبود مع الصحافة، بينما اللواء احمد عبد الله أبارو مدير الشرطة وقتذاك، كان يمثل القوة الغاشمة.
فقد اعتبر بيان الفريق عبود الأول المبرر للانقلاب العسكري، الفعل السياسي والأداء الصحافي، أُس الداء في أحداث الفوضى بالبلاد، وسبباً قوياً في تسلم الجيش للسلطة. عليه بادرت سلطة عبود في بيانها الأول بتعطيل الأحزاب السياسية، وتبع ذلك تعطيل الصحافة. وأصدرت الدولة صحيفة "الثورة" التي ترأس تحريرها عبد الله رجب، واستمرت حتى عام 1964. وظهرت الصحف المستقلة والحزبية عقب ثورة أكتوبر 1964.