عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

غيب الموت الذي هو علينا جمعياً حقٌ لا مفر منه، إن انقضت الآجال، وتبددت الآمال، الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين، بعد مضي فترة في القضاء المؤجل الذي هو المرض، فانتقل يوم الجمعة الماضي إلى القضاء المبرم الذي هو الموت، في دولة قطر، ودُفن في مقبرة أبو هامور جنوب العاصمة الدوحة. فكل نفسٍ ذائقة الموت، تصديقاً لقول الله تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".
فقد شق نبأ وفاته على الكثيرين من أنصار التيار السروري، والعارفين فضل جهده واجتهاداته في الحراك الإسلامي الذي أحدثه من خلال تبنيه لمنهج جمع فيه بين السلفية المحافظة والحركية السياسية الإسلامية. فكان منهجه الفكري الإسلامي عبارة عن مزاوجة، فيها قدرٌ معلومٌ من اللين واللطافة والكياسة، مما دفع الشباب المسلم على اختلاف بلدانهم، وتباين مشارب فكرهم، إلى تبني موجهات هذا التيار الفكري الإسلامي، زُمراً وفُرادى، منذ سبعينات القرن الماضي.
لقد تأثر الشيخ محمد سرور في شبابه بفكر جماعة الإخوان المسلمين في بلاده، وسرعان ما انضم إليهم. وصار داعيةً، ومفكراً إسلامياً سورياً، لكنه انفصل عنها. وأقام في المملكة العربية السعودية، حيث عمل في مهنة التدريس سنواتٍ عدةٍ، وتبنى خلال تلكم الفترة منهجاً يجمع بين السلفية المحافظة، المستمدة من تعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والحركية السياسية، المنبثقة من مدرسة الإخوان المسلمين، لا سيما أفكار الشيخ حسن البنا والشهيد سيد قطب، فأنشأ من هذه المزاوجة تياراً دعوياً إسلامياً، أصبح يُنسب إليه ويُعرف إعلاميا بـ"السرورية". واشتهر الشيخ الراحل محمد سرور زين العابدين بدعمه للثورة السورية، وتحذيره من "الخطر الإيراني".
وُلد محمد سرور بن نايف زين العابدين عام 1938 في قرية "تسيل" التابعة لمنطقة حوران جنوب سوريا، وتربى في عائلة فلاحية محافظة. وأنهى سرور تعليمه الابتدائي في قرية "الشيخ مسكين" بمنطقته، ثم غادر قريته إلى مدينة درعا عام 1951، حيث درس المرحلة المتوسطة والسنة الأولى من الثانوية، وفي عام 1958 انتقل إلى العاصمة دمشق لإكمال الثانوية في "الكلية العلمية الوطنية"، وبعد حصوله على شهادتها التحق بجامعة دمشق، حيث تخرج في كلية الحقوق. وأثناء ذلك تلقى العلم الشرعي على عدة شيوخ.
وانتسب الشيخ الراحل محمد سرور عام 1953 إلى الفرع السوري من جماعة الإخوان المسلمين التي كانت أحد التيارات الفكرية والسياسية الفاعلة في منطقته، وذلك بتوجيه من والده، وتأثير من مدرّسيه الذين كان عدد منهم أعضاء في الجماعة، لكنه انفصل لاحقا عن "الإخوان المسلمين"، وأسس ما أصبح يعرف إعلاميا بـ"التيار السروري" الذي يُنسب إليه ويُعرَف به في الساحة الحركية الإسلامية. ومع ذلك وصف عام 2008 علاقته بالإخوان المسلمين، بالعميقة، قائلاً: "لأنني ما عرفت الإسلام إلا عن طريقهم". وفي عام 1965غادر بلاده إلى السعودية، حيث عمل مدرسا في خمسة من معاهدها العلمية الشرعية في حائل ثم منطقة القصيم وأماكن أخرى. كما عمل في التدريس لمدة 11 سنة في الكويت. وقد آثار كتابه "وجاء دور المجوس" الذي تناول فيه "مخاطر الثورة الإيرانية"، استشرافاً لخطر النظام الإيراني القادم على المنطقة العربية، ضجة كبرى، استدعت مغادرته الكويت في عام 1984 إلى بريطانيا، حيث أسس "المنتدى الإسلامي" لندن الذي كان بمثابة مركزٍ ينشط في مجال التأليف والدراسات والنشر، إضافة إلى منارة للتعريف بالإسلام، والاهتمام بقضايا وأوضاع المسلمين. وفي تطورٍ آخرٍ، أنشأ الشيخ الراحل محمد سرور وباسهامٍ فاعلٍ من خيريين خلجيين، مركز دراسات السُنة النبوية الذي تولى إدارته بنفسه. وكان يصدر مجلة "السُنة" منذ 1989عام. وجد الشيخ الراحل محمد سرور في لندن، بُغيته في ثمانبنات وتسعينات القرن الماضي، من حيث حرية الحركة والدعوة، والتوسع في النشاط الإسلامي، لتياره الفكري الحركي الإسلامي، حيث بدأ وقتذاك في التمدد في مشاريعه. وبعد حرب الخليج الثانية وتأثيراتها وتداعياتها، أصبح وجود تياره المجتمعي والسياسي والثقافي في أغلب البلدان العربية كثيفاً، خاصة دول الخليج ومصر واليمن، وقد استثمر الشيخ الراحل محمد سرور في جهده هذا، علاقاته الواسعة التي بناها مع نشطاء الدعوة الذين التقى بهم طوال عقدين من الزمان في السعودية والكويت.
أخلص إلى أن، الشيخ الراحل محمد سرور كان عالماً متواضعاً، ينأى بنفسه عن المهاترات، مترفعاً عن المجادلات العقيمة. تلحظ ذلكم جلياً في وصفه، بعد ان انفصل عن الإخوان المسلمين، وأنشأ "التيار السروري" الذي يُنسب إليه في ساحات الحركات الإسلامية، لعلاقته بالإخوان المسلمين، بالعلاقة العميقة، مضيفاً "لأنني ما عرفت الإسلام إلا عن طريقهم". ولتبيان مدى تواضعه، يعترف أنه "مؤسس هنا وهناك"، لهذا التيار الذي يُوصف بأنه مزج بين "حركية الإخوان المسلمين، وعلمية السلفية". وقال: "في الحقيقة لم أكن يوماً من الأيام مسؤولاً تنظيمياً في هذا التيار، لكنني أيضاً لست نكرة فيه. وتستطيع أن تقول إنني عضو مؤثر في هذا التيار، لكن ليس لي فيه دور تنظيمي".
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
وَما المَوتُ إِلّا سارِقٍ دَقَّ شَخصُهُ
يَصولُ بِلا كَفٍّ وَيَسعى بِلا رِجلِ

ألا رحم الله، الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين مؤسس التيار السروري، وتقبله الله قبولاً طيباً حسناً وألهم آله وذويه وأصدقاءه وتلاميذه ومعارفه في مشارق الأرض ومغاربها، الصبر الجميل.
"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ".