عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بعد معاناة، وكثير ألمٍ من المرض، ودع العميد أمن (معاش) حسن صالح حسين بيومي دار الفناء إلى دار البقاء في فجر يوم السبت الماضي،. فأحزن فراقه أهله وأصدقاءه وزملاءه ومعارفه، أيما حزنٍ، لما عُرف عنه من سجايا طيباتٍ، وخصالٍ جميلاتٍ، ولطائف معاملاتٍ، يُزين كل ذلك، حُسن خلقٍ، وكريم معشرٍ. لقد كان الراحل حسن بيومي شخصاً دمث الأخلاق، رقيق العبارة، كثير التهذيب، وكان محباً لعمله، فخوراً بجُهده مع صحبه، لا يجامل في قناعاته، ولا يتنازل عن مبادئه.
لقد كان رحيل الأخ الصديق حسن صالح بيومي، حدثاً جللاً ومصاباً فادحاً، ليس لأفراد أسرته فحسب، بل لكل معارفه داخل السودان وخارجه. كان الراحل حسن بيومي صاحب قلم رقيق، وأسلوب رصين، وعبارة مهذبة، وتحليل علمي دقيق. وكان متمكنا في مادته، وكاتبا سهلاً، في تعبيراته، وقلماً لامعاً في أسلوبه، ومتميزاً في سرده للأحداث والوقائع.
عرفت الأخ حسن بيومي عن كثبٍ في السنوات الاخيرة، حيث كنا وثلة من الأصدقاء نلتقي في جلسات مؤانسة راتبة، لكنها عامرة بالنقاشات الجادة، والمجادلات المتنوعة، تعليقاً وتحليلاً ورأياً، في نادي التنس والنادي العائلي بالخرطوم2. فقد لمست من أحاديث حسن بيومي ومداخلاته، قدراً كبيراً من الوفاء لأصدقائه وزملاء مهنته، وكثير إخلاصٍ لرؤسائه في جهاز المخابرات، مما ينم عن خلقٍ عظيمٍ، ويكشف عن معدنٍ أصيلٍ. كان يحرص على أن يُشركني في الإطلاع على مقالاته قبل نشرها في الصحف السيارة، فإن تعذر ذلك، ينبهني إلى تلكم المقالات لقراءتها، وإبداء الرأي حولها. وكان يدعو دائماً إلى أن تكون جلسات مؤانساتنا أقرب إلى المنتديات الفكرية، لما فيها من نقاشاتٍ ثرةٍ، وأفكارٍ نيرةٍ. وكان يتصل بي هاتفياً إن تأخرت أو غبت عن تلكم الجلسات الراتبات، مطمئناً ومعاتباً في الوقت نفسه. وعندما تهدأ مغاضبته، بعد دقائقٍ معدوداتٍ، يُطلعني على ما فاتني من مناقشاتٍ ومجادلاتٍ. فكم من مرةٍ، أثار النقاش على الثلة حول نظرية "الرضا الشعبي" الأمنية الني كان نصيراً لها، ومعضدداً لمفاهيمها. وأحسب أنها تبلورت تماماً في ذهنه من كثرة ما طرحها للنقاش في جلسات المؤانسات تلكم، ومن ثم بدأ يستعرضها بشئٍ من التحليل والدراسة في ثنايا مقالاته وحواراته الصحافية، وتعليقاته وتحليلاته الإذاعية والتلفزيونية. وقد أفدنا منه الفهم المتعمق لمفهوم الأمن الوطني.
في رأيي الخاص، أن الأخ الراحل حسن بيومي جعل من نظرية "الرضا الشعبي" الأمنية، مفهوماً ينداح فهمها على الكثيرين من قرائه. وقد اعتبرها نقيض "السخظ الشعبي" في المفهوم الأمني، وأن الأولى من ضمانات الاستقرار الأمني، بينما الأخيرة من مهددات الأمن الوطني، المتمثل في أمن الدولة والمجتمع. وكأني به – يرحمه الله – في هذه المقولة يعضد تعريف لورنس كروز وجوزيف ناي للأمن بأنه "غياب التهديد بالحرمان الشديد من الرفاهية الاقتصادية". ولكني أحسب أن الاتجاه الأهم الذي يربط الأمن بالاقتصاد هو تعريف روبرت ماكنمارا الذي يقول: "إن الأمن هو التنمية، ومن دون التنمية لا يمكن أن يكون هناك أمن". كانت تلكم الجلسات المؤانسية، بلا أدنى ريب، هي جلسات مثاقفة في ضروب العلم المختلفة مع أُناسٍ تودهم ويودونك.
أخلص إلى أن، الأخ الراحل حسن بيومي امتهن العمل في مجالات الأمن والمخابرات، حباً ورغبةً. فقد تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الأم، حيث زامل كل من الأستاذ الدكتور علي هلال الدين وهدى جمال عبد الناصر (ابنة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر) وغيرهما. والمعروف أن هذه الكلية كانت تعتبر كلية أبناء وبنات الصفوة في مصر آنذاك. فلو لا حبه للعمل في الأمن والمخابرات الوطني، لالتحق بمهن أخرى. لذلك التحق بجهاز المخابرات في مطلع السبعينات من القرن الماضي، حيث سافر إلى روسيا لدورة تدريبية قصيرة، ثم الكلية الحربية، ثم فرنسا لتلقي دراسات دبلوماسية فيها. وفي عام 1975 عاد من فرنسا وانتقل إلى العمل بسفارة السودان في أنجمينا حتى عام 1977، ومنها إلى المغرب لفترة عام ونصف العام تقريباً، وعاد إلى الخرطوم، وتمت ترقيته إلى رتبة العميد. وعمل في إدارة المخابرات الخارجية، وهي جزء من إدارة الأمن الخارجي، ومنها عمل مدير إدارة الأمن الخارجي، ثم ذهب إلى ألمانيا، حيث تلقي دورة تحليل وتقويم، منها عمل في إدارة التحليل والتقويم وهي مسؤولة عن تقارير رئيس الجمهورية وقتذاك.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
ومراد النفوس أصغر من
أن نتعادى فيه وأن نتفانى
غير أن الفتى يلاقي المنايا
كالحات ولا يلاقي الهوانا
ألا رحم الله أخانا حسن صالح حسين بيومي، وتقبله الله قبولاً طيباً حسناً وألهم آله وذويه وأصدقاءه ومعارفه وقراءه الصبر الجميل.
"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ".