عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا يمكن أن أختتم هذه الحلقات عن "الحوار الوطني.. والبحث عن الحقيقة والمصالحة"، دون الإشارة إلى مُداخلتي في ذاكم اللقاء الذي تم بين مجموعة الأكاديميين والصحافيين والبروفسور هاشم علي محمد سالم الأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني في يوم الأحد 30 أكتوبر 2016 في قاعة الصداقة بالخرطوم، التي ركزتها على مرئيات مستقبلية، لتكون مراحل إنفاذ مخرجات الحوار الوطني التي بلغت 994 توصيةً وقراراً، بعيداً عن التركيز على جوانب ماضوية في مراحل تطورات الحوار الوطني، منذ انطلاق الدعوة إليه من قبل الأخ الرئيس عمر البشير في يوم الاثنين 27 يناير 2014، إلى يوم الناس هذا، مستصحباً في حديثي ذاكم، تجربة إنسانية رائدة، في مجالات العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية، زاوجت بحكمةٍ وحصافةٍ بين الحقيقة والمصالحة. وتطورت تلكم التجربة الإنسانية إلى مرحلة متقدمة لاحقاً في هذا المبحث، بعد أن هيأت الأسباب، ووضعت الحيثيات لإنجاح تجربة العدالة والمصالحة، درءاً للفتن بين أبناء الوطن الواحد، وتجسيراً للإحن والمحن من خلال عدالة انتقالية، تؤسس لبناء الثقة، وتناسي مراحل ماضوية مريرة لشرائح مجتمعية محددة، عبر احقاق الحقيقة، وتحقيق المصالحة، حيث قاربت بذلكم التوجه الوطني بين الجاني والمجني عليه، بحيث يعترف الأول بجُرمه، وتبيان دوافع غلظته، ومبررات عنفوانه، في التعامل مع الضحية أو الآخر. ويتقدم الثاني بالصفح الجميل، لتحقيق المصالحة الوطنية طوعاً واختياراً، في مواقف إنسانية طاغية. كانت تلكم تجربة جنوب أفريقيا في ما يتعلق بالعدالة الانتقالية في إطار الترتيبات والمصفوفات التي أدت إلى نهاية نظام التمييز العنصري، من خلال تجارب المحاكمات الشعبية التي اطلق عليها لجان الحقيقة والمصالحة. فقد عهد إلى هذه اللجان إماطة اللثام عن التجاوزات والجرائم، وإنصاف الضحايا، بُغية الوصول إلى تسويه غير جزائية للملفات العالقة.
لم يكن نجاح هذه التجربة الإنسانية التي حرصت على المزواجة بين الحقيقة أو العدالة والمصالحة ممكناً، لولا أن الرئيس الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا الذي قضى 27 سنة في السجن، كان القدوة والأسوة الحسنة، لمناضلي جنوب أفريقيا (الضحايا في نظام التمييز العنصري)، في تناسي مراراته، والإشرئباب إلى وطن خالٍ من الأحقاد، عبر إنفاذ مشروع الحقيقة والمصالحة، من خلال تضمين الفقرة 32 (1) من الدستور الانتقالي لجنوب أفريقيا الذي وضعته الجمعية الوطنية (البرلمان) في عام 1994 للجميع "حق النفاذ إلى المعلومات التي تحتفظ بها الدولة، واي معلومات يحتفظ بها أي شخص مطلوبة لممارسة أي حقوق وحمايتها".
وأحسب أنه من الضروري الإشارة هنا ايضاً، إلى أن قيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، بالعزيمة القوية والإرادة الصُلبة، استطاعت تغليب مرئيات المستقبل على مرارات الماضي، فانتقلت بيسرٍ وسلاسةٍ من متطلبات الثأر والانتقام إلى مطلوبات الغد المشرق لجنوب أفريقيا وبنيها. وعن طريق مشروع الحقيقة والمصالحة تخطى ضحايا التمييز العنصري، هاجس عدم الثقة مع حكامهم البيض. فلم يبطرهم فوزهم الساحق بالانتخابات العامة في عام 1994، فركزوا همهم واهتمامهم على بناء وطنهم، ونسيان مراراتهم الشخصية، ولم سكن كبير همه، وميلغ اهتمامهم، الثأر على من ظلمهم. وفي عام 1995، أعطى برلمان جنوب أفريقيا تخويلاً بتأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة التي أصدرت في عام 1998 تقريرًا تضمّن شهادات أكثر من 22,000 ضحيّة وشاهد. فكان الهم الأكبر لقيادات جنوب أفريقيا الجدد، تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة الإنسانية.
أخلص إلى أن، مؤتمر الحوار الوطني في السودان لا بد أن ينظر إلى تجارب الشعوب الأخرى. في إنفاذ مخرجاته ومقرراته، لتحقيق مآلاته وبلوغ مقاصده، في تحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة بين فرقاء الوطن الواحد، من خلال بناء الثقة المفقودة بين الحاكمين والحركات المسلحة والقوى الوطنية والأحزاب السياسية. فلا ننسى أو نتناسى، أن للسودان تجربة في المصالحة الوطنية بين نظام الرئيس الراحل جعفر محمد نميري والمعارضة السودانية في يوليو 1977، على الرغم مما اعتراها من عثراتٍ واخفاقاتٍ. لكن أفادت الحركة الإسلامية من تلكم المصالحة الوطنية، أيما فائدة، باستصحاب فقه التقية لإعداد كوادرها في مختلف المجالات للانقضاض على السلطة يوم الجمعة 30 يونيو 1989. فالحقيقة والمصالحة، ومن ثم العدالة والمصالحة، يمكن أن تقودنا إلى طريق العفو السياسي، والتراضي الوطني، وجبر الضرر. فيتحقق الوفاق الوطني، المُفضي إلى الوحدة الوطنية والمصالحة الإنسانية. فالمأمول من الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني، التفكير في أساليب مستحدثة، وطرائق متجددة، من أجل إشاعة مفاهيم الحوار الوطني وثقافته بين السودانيين داخل السودان وخارجه. ولن يتأتى ذلك لها إن لم تنفعل الوسائط الصحافية والإعلامية والمنتديات الفكرية، بمخرجات الحوار الوطني ومقاصده، لخلق رأيٍ عامٍ فاعلٍ، يدفع في اتجاه الوفاق الوطني والمصالحة الوطنية.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول أمير الشعراء أحمد بك شوقي:
وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق
ومن يسقى ويشرب بالمنايا إذا الأحرار لم يسقوا ويسقوا
ولا يبني الممالك كالضحايا ولا يدني الحقوق ولا يحق
ففي القتلى لأجيال حياة وفي الأسرى فدى لهم وعتق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق