عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في تطور ملحوظ، في مواقف الإمام الصادق الصديق المهدي الذي يجمع بين الإمامة الروحية لجماعة أنصار المهدي، والإمامة الزمانية، المتمثلة في رئاسة حزب الأمة القومي، الموقف المتعلق بعودته الطوعية إلى السودان، بعد نفي اختياري في مصر، يتبادر إلى الذهن عودة الإمام الغائب في تاريخ المذهب الشيعي الاثني عشري الذين منذ أكثر من 1160 عاماً، ظلوا ينتظرون عودة إمامهم الغائب، وهو الإمام محمد الحسن العسكري الذي استتر في غيبة صغرى، كان يتصل خلالها بالناس، وفقاً لما تقوله مدونات الشيعة، عبر نوابه وسفرائه. وانتهت هذه الغيبة الصغرى عام 329 هجرية، حيث دخل بعدها الإمام في غيبةٍ كبرى. لا يزال نداء الشيعة الإمامية يتردد في الآفاق أن يعجل الله فرجه ويظهره على العالمين ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت فساداً وجورا. بينما الإمام الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي، صوفي سني، لم يغب عن شيعته (أنصاره) في غيبة صغرى، ناهيك عن الغيبة الكبرى، فهي غيبة لم تتعد الثنتين من السنين. وفي تواصل مستمر مع أنصاره عبر نوابه وسفرائه، إضافة إلى بياناته التي تترى إلينا بين الفينة والأخرى، فنطمئن مع أنصاره، على حاله وأحواله، وأنها لن تكون غيبة كبرى. هذه بمثابة مقاربة تأصيلية، وليست مقارنة تفضيلية، قصدتُ بها تبيان أن هنالك بينونة كبرى ما بين غياب إمام الشيعة الاثني عشرية، وغياب الإمام الصادق الصديق المهدي، وأنه لن يأتي إلينا مستصحباً نداء الشيعة العشرية، بل سيعمل جاهداً مع أهل الإنقاذ وغيرهم من القوى الوطنية والأحزاب السياسية في معالجة قضايا الوطن والموطن. والمأمول أن يستصحب بعضاً من مُخرجات الحوار الوطني ومقرراته، التي سبق عند إعلانها أن أشاد بها، ثم لكنها في حواره مع صحيفة مصرية اخيراً.
وفي تطور آخر لعودة الإمام الغائب السيد الصادق الصديق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، إعلانه أن اللجنة العليا التي شكلها لتقرر في أمر عودته، بعد طول غياب عن الوطن، اقترحت يوم الاثنين 19 ديسمبر 2016، ميقاتاً زمنياً لعودته إلى السودان بعد أن أمضى أكثر من عامين في منفاه الاختياري بمصر. لا يخفى على الكثيرين من السودانيين، رمزية تاريخ عودة الإمام الغائب، المتعلقة بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، ومصادفة اليوم نفسه. ففي يوم الاثنين 19 ديسمبر من عام 1955 اجتمع مجلس النواب في جلسته رقم (43)، وذلك عند العاشرة صباحاً، وكان القرار الذي أجمع عليه جميع النواب أن يعلن باسم الشعب السوداني أن السودان قد أصبح دولة مستقلة كاملة السيادة، مع رجاء النواب من رئيس البرلمان أن يطلب من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف بهذا الإعلان فوراً. والسيد الصادق المهدي كثيراً ما تستهويه الرمزية في تحديد التواريخ المفصلية لحزبه. من منا ينسى أو يتناسى، إعلانه أمام الأشهاد، وكنت من بينهم، بدعوة كريمة من مكتبه، إذ حضرت من لندن في عطلتي السنوية آنذاك، عندما كنت أعمل في صحيفة "الشرق الاوسط" اللندنية، أن السادس والعشرين من يناير لعام 2012، وهي تماثل ذكرى تحرير الخرطوم سيعلن فيها قراراً مصيرياً إما أن يسقط النظام أو يعتزل السياسة، لم تغب رمزية اليوم عن خاطر الكثيرين. في إشارة تحمل الكثير من المعاني للسودانين جمعاء، عندما فتح الإمام محمد أحمد المهدي الخرطوم في 26 يناير 1885، ولكن لا الإنقاذ ودعت هريرة، ولا الإمام ترجل عن صهوة جواده، إلى يوم الناس هذا.
أخلص إلى أن عودة الإمام الصادق المهدي سيحتفي بها ايم احتفاء الكثيرون، وأنا من بينهم، وكل من يرغب في أن تتسع دائرة الحوار الوطني، بحيث لا يُضيق واسعاً بالنسبة للمشاركين. وفي رأيي الخاص، انه من الضروري، مشاركة السيد الصادق المهدي، اتفقنا أو اختلفنا حوله، فهو رمز مهم من رموز هذا البلد الطيب أهله، وقيادي لا يُشق له غبار في خارطة السياسة السودانية، لذلك لم يتردد الأخ الرئيس عمر البشير في الاتصال به هاتفياً في يوم العاشر من أكتوبر الحالي، في يوم انعقاد المؤتمر العام للحوار الوطني نفسه، مذكراً إياه، تنزيلاً لقول الله تعالى: "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ"، وقد أورد تلكم التذكرة في حواره مع إحدى الصحف المصرية أخيراً، قال لي البشير: "نحن نعتقد أن مكانك ومكان حزب الأمة شاغرا ونتطلع أن يكون هناك حضور له"، حتى وإن كان ذاكم الحديث الرئاسي من باب المجاملات، حسب وصفه، فإني أرى فيه قدرٌ من الحميمية، وإشعار الإمام بأهمية وجوده في الحوار الوطني. فنحن جميعاً في انتظار عودة الإمام الغائب، ليس ب"طلع البدر علينا"، ولكن بوثيقة الحوار الوطني، والعمل على إقناعه بمُخرجاته ومُقرراته، وليس ذلك ببعيد على الحادبين على الحوار الوطني، ليروا الإمام جزءاً من الحل، وليس بعضاً من المشكل.
ولنستذكر مع الإمام الصادق المهدي، وهو يستعد لمفارقة الغيبة الصغرى، والأوبة الكبرى، قول الشاعر العربي عمرو بن الأهتم السعدي:
وكــلُّ كَـرِيـم يَـتَّـقِـي الـــذَّمَّ بـالـقِـرَى
لِلـخَـيْـرِ بـيــنَ الصّالـحـيـنَ طَــريــقُ
لَعَـمْـرُكَ مــا ضـاقَـتْ بِــلاَدٌ بأَهْـلِـهَـا
ولـكــنَّ أَخـــلاقَ الـرِّجــالِ تَـضـيــقُ
نَمَتْنِـي عُــرُوقٌ مــن زُرَارَةَ لِلْعُـلَـى
ومـــنْ فَــدَكِــيٍّ والأَشَــــدِّ عُــــرُوقُ
مكـارِمُ يَجْعَلْـنَ الفَـتَـى فــي أَرومَــةٍ
يَـفَـاعٍ وبـعــضُ الـوالِـدِيـنَ دَقِـيــقُ