عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


تخطى مشروع قانون الرقابة على التأمين الكثير من العقبات التي آثارها الجدل الفقهي والنقاش الاقتصادي إلى أن وصل بعد جهد جهيد إلى المرحلة قبل الاخيرة من مراحل المناقشات، وممهدات التشريع، بعد إجازته في مجلس الوزراء، ليصبح من كونه مشروع قانون إلى قانون، بعد إجازته من المجلس الوطني (البرلمان). فقد أجاز مجلس الوزراء فى اجتماعه الدوري برئاسة الفريق أول ركن بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية في 30 يونيو الماضي، قانون الرقابة علي التأمين لسنة 2016.
ومن المعلوم بالضرورة، أن مشروع القانون الجديد سيلغي قانون الرقابة علي التأمين لسنة 2001.
فالتَّأْمِيْنُ لُغةً من أَمَّنَ، والأمن ضدَّ الخوف، وهو يعني: سُكونُ القلب واطمئنانه وثقته. قيل: "وَأَصْلُ الأَمْنِ طَمَأْنِيْنَةُ النَّفْسِ وَزَوَالُ الخَوْفِ، وَالأَمْنُ وَالأَمَانَةُ وَالأَمَانُ فِي الأَصْلِ مَصَادِر، وَيُجْجَلُ الأَمَانُ تَارَةً اسْمًا لِلْحَالَةِ الَتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ فِي الأَمْنِ، وَتَارَةً اسْمًا لِمَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ، وهو يُجمعُ على تَأْمِيْنَات". فقد تعدَّدت التعريفات الفقهيَّة للتأمين واختلفت فيما بينها. ويرجع ذلك بصفةٍ أساسيَّةٍ إلى أنَّ التأمين ينطوي على جانبين، الجانب الأوَّل قانوني، والآخر فني. فمن الفُقهاء من ركَّز على الجانب الأوَّل مُبرزًا أداة التأمين القانونيَّة، أي عقد التأمين، ومنهم من ركَّز على الجانب الفني للتأمين على حساب جانبه القانوني. فيما يذهب جمهور الفُقهاء إلى أنَّ التعريف الدقيق للتأمين يجب أن يتعرَّض لِجانبيه القانوني والفني، وإلَّا كان تعريفًا ناقصًا. والجانب القانوني للتأمين يتمثَّل في العلاقة بين المُؤمِّن والمُؤمَّن له، والتي تنشأ عن عقد التأمين الذي يربط بينهما. وهذه العلاقة تفترض أنَّ هُناك خطرًا، أو حادثًا، يُخشى وُقوعه للمُؤمَّن لهُ. فيسعى هذا الأخير لِتأمين نفسه من هذا الخطر، أو الحادث، وذلك عن طريق التعاقد مع المُؤمّن. وهو عادةً شركة التأمين. الذي يلتزم بتغطية هذا الخطر عند وقوعه، مقابل قسطٍ مُعيَّنٍ يلتزم بِدفعه المؤمَّن له. أمَّا الجانب الفني للتأمين، فيتجاوز تلك العلاقة الفرديَّة، ويتمثَّل في الأُسس الفنيَّة التي يستند إليها المُؤمّن في تغطية الخطر.
وعرف السودان التأمين على هدي الشرع الحنيف منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، عندما تأسست شركة التأمين الإسلامية، كتجربة رائدة في الالتزام بصيغة التأمين التكافلي الذي لا يركز على الربح كهدف أساسي لتلكم الشركات، على نقيض ما تهدف إليه شركات التأمين التقليدية. ولم يكن السودان على معرفة راسخة بالتأمين الاسلامي، قبل 21 يناير 1979، حيث تأسست شركة التأمين الاسلامية. وحدثني قبل بضعة أيامٍ، كل من الأخوين الصديقين عثمان سلمان وعثمان الهادي من الاقتصاديين الإسلاميين اللذين انخراطا مبكرا في مجالات التأمين، أن الدكتور حسن عبد الله الترابي – يرحمه الله - وهو في السجن حبيسا، في عام 1974، حدثهم أنه من الضروري، انخراط بعض الاقتصاديين الإسلاميين في مجالات التأمين التقليدي، فعندما واجهه بعضهم بان هذا تأمينٌ ربويٌ، أشار إليهم بضرورة معرفته، استعدادا لتغييره عندما يحين موعد إنشاء شركات التأمين التي ستعمل على هدي شرع الله. وبالفعل بدأ الاقتصاديون الإسلاميون الانخراط بهمة وحماسة في مجالات التأمينات، منهم عثمان سلمان وعثمان الهادي والدكتور رفعت أحمد عبد الكريم وآخرون. ولما بدأ العمل في السودان بأوجه من النظام المصرفي الإسلامي في نهاية سبعينات القرن الماضي، كان هؤلاء رواد العمل في مجالات التأمين الاسلامي، وصارت لهم دراية ودربة في التامينات الاسلامية، ونقلوا هذه الخبرات المتراكمة الى من يليهم من اجيال. فقد كانت تلكم احدى المريءيات المستقبلية للدكتور حسن الترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات -.
أخلص إلى أنه، من الضروري الإشارة هنا، إلى أن مشروع قانون الرقابة على التأمين بعد إجازته من مجلس الوزراء في يونيو الماضي، في انتظار إجازته من قبل المجلس الوطني (البرلمان)، ليصبح قانوناً نافذاً في مجال الرقابة على التأمين. والملفت في مشروع القانون، أنه أباح للشركات الأجنبية مزاولة العمل في السودان، ضمن مطلوبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO)، في إطار فتح مجالات التنافس الحر للجميع. ومن الضروري، التنبيه الى ان القانون سيلزم الشركات الوطنية والأجنبية بالتعامل بصيغة التأمين التكافلي.
وقد يتساءل البعض عن مدى إلمام شركات التأمين الأجنبية، لا سيما الغربية بالتأمين على هدي الشرع الاسلامي، لقد شاركت في مؤتمر عن الاقتصاد الإسلامي بجامعة هارفرد الأميركية بمدينة بوسطن، عندما كنت أعمل في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، فكانت إحدى أهم أوراق ذاكم المؤتمر، ورقة عن التأمينات الإسلامية، قدمها البروفسور ستيفن كوهين الأستاذ بكلية الاقتصاد في الجامعة نفسها، حيث استشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، إضافة إلى أقوال الفقهاء المتقدمين والمتأخرين. فوجدت هذه الورقة صدىً واسعاً في أروقة المؤتمر، فاسترعى انتباهي البروفسور كوهين، فذهبت اليه متعجبا عن فهمه لكل هذه الجوانب الشرعية في موضوع الورقة، فأجابني بعبارة مازلت عالقة بذهني إلى اليوم وهي: "هناك فرق في البحث عن حقيقة العقيدة والبحث في فكر المعتقد". فعليه لم اجد غرابة في أن يبيح القانون للشركات الأجنبية التعامل بصيغة التأمين التكافلي، لأن اولئك قد أعدوا العدة لهذا الامر، من خلال التسلّح بالعلم والمنهج البحثي الرشيد.
فقد وضع مجلس الوزراء مسودة مشروع قانون الرقابة على التأمين على منضدة المجلس الوطني (البرلمان) للإجازة النهائية بعد اجراء تعديلات مهمة بالنسبة للقانون السابق، تفادياً للثغرات، وأحكاماً لبعض مواد القانون، وانسجاماً مع المتغيرات، واستجابةً لمطلوبات اقتصاديةٍ عالميةٍ مهمةٍ. وأحسب انه من الضروري، استعجال البرلمان في الإفراج عن مسودة مشروع القانون، لإجازته، ومن ثم لتتحقق صيغة التأمين التكافلي واقعاً وحقيقةً في القريب العاجل، ولنجعل من التأمين التكافلي صيغةً فاعلةً لنظام إسلامي اقتصادي متكاملٍ في السودان.