عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نواصل اليوم في هذه العُجالة، تكملة حديثنا عن هل الاعتداء على الأطباء ظاهرة عارضة أم ظواهر متكررة؟ والفت الانتباه إلى أنه يسود فهم خاطئ لدى كثير من السودانيين، لا سيما لدى العاملين في الوسائط الصحافية والإعلامية، لا سيما لدى العاملين في الوسائط الصحافية والإعلامية، إذ يعتقد الكثير منهم أن مهددات الأمن الوطني، هي في النشر السالب عن المنظومات الأمنية، بينما امتد مفهوم الأمن الوطني، ليشمل القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وبشيءٍ من التركيز قضايا الصحة والطبابة. فالإعلام المعاصر أصبح محوراً أساسياً، لمختلف القضايا الإنسانية والسياسية والأمنية. وللإعلام المكتوب والمرئي والمسموع علاقة وثيقة بالأمن الوطني، لأنه يشكل دوائر اهتمامات الرأي العام، خاصة الوسائط الصحافية، لأنها بمضاغطاتها، تفرض على صانعي القرار، توجهاً محدداً، ويعوّل على الوسائط الصحافية والإعلامية الكثير في التوعية بأبعاد قضية الأمن الاجتماعي بالسودان. وكانت الوسائط الصحافية والإعلامية في السودان، في قديم الزمان، وسابق الآوان، ولفترات طويلة محصورة في السياسة والترفيه، بينما دورها الأساسي تقديم المعلومة، وتيسير مهمة التعليم، وإشاعة سبل الترفيه، ثم تطور الأمر في ستينات وسبعينات القرن الماضي إلى ضرورة الإقناع بالعملية السياسية، كالانتخابات وغيرها، لكن الآن اتسعت مجالاته بصورة واضحة، وشملت الأمن والصحة والتعليم والاقتصاد والكوارث الطبيعية، ويمكننا النظر إلي مضمون الرسالة الإعلامية في السودان من خلال ثلاثة جوانب رئيسية هي:
1- الرسالة التثقيفية والترفيهية الموجهة لعامة الجمهور السوداني .
2- الرسالة الموجهة لشرائح معينة مثل الأسرة المرأة والطفل .
3- الرسالة الموجهة للظواهر الاجتماعية.
وبالنظر إلى هذه الجوانب المختلفة نلحظ ضعفاً واضحاً في انسياب وتدفق المعلومات الأمنية الموثقة لأجهزة الإعلام مع ضعف التعامل مع هذه المعلومات، وقلة الموضوعية في تناول الأخبار الأمنية خاصة المتعلقة بالأمن الوطني والأمن الاجتماعي في مجال تناول قضايا الإجرام. كما حدث يوم السبت الماضي من اعتداءٍ سافرٍ من مجهولين غضابى على الأطباء في مستشفى أم درمان التعليمي، وقبله في عددٍ من المستشفيات في ولاية الخرطوم وغيرها من ولايات السودان المختلفة.
يجب أن يتفهم الرسلاء والرسيلات في الوسائط الصحافية أن للإعلام دوراً كبيراً جداً في الحفاظ علي مقومات الأمن الوطني السوداني يتمثل هذا الدور في التعامل الإيجابي مع مهددات الأمن الوطني السوداني والشعور بالثقة بالنفس في تحمل مسؤولية أمن الوطن، والحفاظ علي أمنة المجتمعي من خلال ما يطرح من قضايا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومن خلال ما ينشر من قضايا وأحداث في مجال الأمن الوطني والجريمة. فلا يجوز تبرير البعض لهذا الفعل المشين مهما كانت المبررات. وينبغي إدانته إدانة كاملة، والعمل على معالجة الخلل في المستشفيات، إن وجد بعيداً عن مثل هذه الأعمال البربرية.
ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أن مهددات الأمن الوطني لا تقتصر على المنظومات الأمنية في مراعاة تناول الوسائط الصحافية والإعلامية، لأن قضايا الطبابة والصحة من أخطر مهددات الأمن الوطني. ولا أحسب أن أحداً يُلاجج عن مدى خطورة التناول غير المسؤول لقضايا الصحة، إذ أنها من مهددات الأمن الوطني، فما زلنا نتذكر الأثر السالب لنشر خبر عن وجود الحمى الخلاعية في السودان، فامتنعت بعض الدول من استيراد مواشينا، حيث أدى ذلك الى خُسرانٍ مبينٍ في الاقتصاد الوطني، بفقدان بلادنا للعملات الأجنبية، وشكل ذلك مضاغطة اقتصادية ومالية، لم تعانِ منه الحكومة وحدها، بل عانى منه وما يزال الوطن كله. وقبل بضعة أيام أثار البعض، ذعراً في المجتمع بالحديث غير العلمي عن الكوليرا وما أدراك ما الكوليرا.
وأعتقد أنه من المهم أن تسارع وزارة الصحة بولاية الخرطوم ونظيراتها في الولايات المختلفة، وكذلك وزارة الصحة الاتحادية إلى البحث عن أسباب تنامي ظاهرة الاعتداءات المنكورة على الأطباء في المستشفيات، بتحوطات واحترازات لمواجهة هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع السوداني. فالمجتمع السوداني عرف أفراده بأنهم قدريون يستسلمون للقدر خيره وشره، وللموت عندهم حُرمة، لم يراعها هؤلاء المعتدون، لا سيما اولئك الذين هجموا على مستشفى أم درمان التعليمي زُمرا وفرادى، وعاثوا فيه تخريبا وأذى، وتسببوا في موت مريضة، لا ذنب لها سوى أنها، كما يقول جمهور الفقهاء، كانت في حالة القضاء المؤجل (المرض)، فنقلوها بغتةً إلى القضاء المبرم (الموت)، فنحن نطالب بالقصاص من هؤلاء المجرمين، تنزيلا لقول الله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
اخلص إلى أن اسراع الأخ البروفسور مأمون محمد علي حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم إلى عقد مؤتمر صحافي في اقل من 24 ساعة بمباني الوزارة، من الاعتداء على الأطباء في مستشفى أم درمان، كان مهماً وموفقاً، لأنه لم يترك فراغاً زمنياً تملأه الشائعات، فقدم المعلومة، وشرح الموقف، وأبان التحولات والاحترازات المستقبلية، حتى لا يتكرر هذا المشهد المأساوي، مؤكداً في الوقت نفسه، مسوؤلية وزارة الصحة بولاية الخرطوم مع المؤسسات الشرطية في حماية الأطباء في أداء عملهم في غير وجلٍ أو تهديدٍ. وأشار الوزير إلى عقد لقاءٍ مع شرطة ولاية الخرطوم للاتفاق حول وضع وحدات ثابتة للشرطة لحماية المستشفيات الكبيرة لمحاربة هذه الظاهرة غير الحميدة. وقال "إن القضية ستجد طريقها إلى العدالة".
وأحسب أنه من المهم، أن أوجه رسالة عبر هذه العُجالة إلى معاشر الأطباء، خاصة وأن لي بنات طبيبات، أن يعلموا علم اليقين، أن هذه الفئة المعتدية لا تمثل الخُلق السمح للسودانيين، ولا التقدير والإجلال الذي يكنه المجتمع السوداني لكم، باعتبار أنكم صفوة الصفوة من أبناء وبنات هذا الوطن. وعليكم التحلي بالصبر، والتزود بالاصطبار، ولتتأكدوا أن هذه فئة مارقة، ولكن غالب الشعب السوداني ليس بينه وبينكم عداء، فسيروا في دربكم، وأدوا أماناتكم، فأنتم مؤتمنون على أجسادنا وأرواحنا.
ولنستذكر معكم قول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبئيء:
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الاجسام