عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إليك قاريء المبجل، هذه الطُرفة التي سارت بها مواقع التواصل الاجتماعي، سير الركبان، تعبيراً مؤلمًاً عن سُخرية البعض على ما حدث من اعتداء على الأطباء في مستشفى أم درمان التعليمي يوم السبت الماضي، كتوطئة لهذه العُجالة، ومدخلٍ مهمٍ إلى الحديث عن هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع السوداني.
تحكي الطُرفة أن "عم المتوفية يدخل للحوادث معزياً، يا ناس الفاتحة، اها سترتوا؟ الوالد: أيوا سترناها تب الحمد لله. العم: أبقوا مارقين العربية جاهزة. الوالد: أدينا شوية كده ونطلع. العم: ما أدوكم الشهادة لسه؟ الوالد: أدونا الشهادة، لكن الأولاد ديل مشوا يكسروا الأجهزة ويدقوا الدكاترة و يجوا راجعين. العم: وليه أمر الله ونفذ، قصروا فيكم بحاجة؟ الوالد: لا ما قصروا إلا بتنا غالية علينا وماها أقل من الماتوا ودقوا ليهم الدكاترة، وكسروا ليهم المستشفيات، ما لنا كمان بنرخصها بعد ما ماتت؟!".
أحسب أن هذه الطُرفة، إن أضحكتك – يا هداك الله – فاعلم أنها مما قيل فيها "شر البلية ما يضحك". و"شرُّ البَليَّة ما يُضحك" - (مثل عربي شهير)، يُضرب للشِّدَّة أو المصيبة تأتي في غير حينها وعلى غير وجهها، فيتعجّب منها المبتلى بها ويضحك. ومعنى المثل "شر البليه ما يضحك"، أنه أحيانا يكون الموقف التراجيدي والمأساوي هو أكثر المواقف الدافعة للضحك.
ومن المؤلم للغاية، أن ظاهرة الاعتداء على الأطباء في المستشفيات أثناء أداء واجبهم الوظيفي، وعملهم الإنساني، من قبل أهلين المرضى أو الذين توفاهم الله، وتنزل فيهم قول الله تعالى: "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ". ونسوا أن الموت كالسارق، لا يعلمك بمجيئه، ولا يمكت الاحتراس منه، وهذا ما ذهب إليه الشاعر العربي أبو الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبيء:
وما الموت الا سارق دق شخصه
يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
مما لا ريب فيه، أن الاعتداء على الأطباء في المستشفيات، لم تعد ظاهرة عابرة، بل صارت هذه الاعتداءات ظواهر متكررة، حتى أن الطُرفة "البلية"، رسمت صورة ذهنية لدى المتلقي لها، أن الاعتداء على الأطباء في المستشفيات بعد الابلاغ بالوفاة، تأكيد للأهلين بأن من توفاه الله، عزيز لديهم. وتبيان غلاوته، وتأثير حزنهم لا يتم، الا بالاعتداء على الأطباء، وتحطيم أجهزة ومعدات المستشفى حتى لو كان ذلك سبباً في وفاة آخر وإصابة آخرين من المرضى، إضافة إلى المستهدفين الأساسيين، وهم معاشر الأطباء، وأجهزة ومعدات المستشفي في اُسلوب عدائي همجي بربري، يجب ان تتم ادانته من كل الشرائح المجتمعية، والمطالبة بعدالة ناجزة، تردع أمثال هؤلاء العابثين. ولا ينبغي البحث لهم عن مبررات، من شاكلة إهمال الأطباء، او القول باخطائهم هي سبب الوفاة.
وفي رايي الخاص، ان بعض الوسائط الصحافية والإعلامية، كانت محرضاً خطيراً على الأطباء، بذكر أن الأطباء الاختصاصيين والاستشاريين لا وجود لهم في أماكن عملهم بالمستشفيات والمراكز الصحية، بحجية انهم يركزون عملهم في العيادات والمستشفيات الخاصة، متناسين واجبهم الوظيفي، وضميرهم الإنساني، ويتجاهلون المرضى في النبطشيات الليلية، والتعامل معهم ومع مرافقيهم بقدرٍ من التعالي، مما يثير مغاضبتهم، فيعبرون عنه بسلوك فيه قدرٌ من الاعتساف والعنف، دون مراعاة للمضاغطات التي يواجهها الأطباء، نتيجة لزيادة المرضى، وكثافة العمل، وقلة الحيلة تجاه بعض اعطال الأجهزة والمعدات الطبية. ولقد تخصص – للأسف – بعض الرسلاء والرسيلات من الصحافيين والصحافيات في تكثيف الهجوم، دون تروٍ وفهمٍ للاوضاع الصحية، وبشهادات في أغلبها سماعية من طرف المرضى أو أهليهم، على الأطباء واتهامهم بالإهمال والأخطاء الطبية، والاستعلاء على المرضى ومرافقيهم، مما شكل مضاغطة نفسية على هؤلاء الأطباء، إضافة إلى زعزعة ثقة المرضى في الأطباء السودانيين، بينما الدولة ترفع شعار توطين العلاج، ومارسه الاخ الرئيس عمر البشير في إجراء عمليتي استبدال ركبتيه.
فلا يبذل هؤلاء الرسلاء والرسيلات جُهدا في فهم عملية الطبابة أو السعي إلى معرفة الجهود المبذولة من الأطباء والمسؤولين عن القطاع الصحي حتى لا يظلموا، جهلاً او عمداً هذه الشريحة المجتمعية التي أسهمت، ولا تزال تُسهم بجهد مقدر في ترقية الخدمات الطبية والصحية داخل السودان. فكثير من هؤلاء الرسلاء والرسيلات لا يعلمون أن مهنة الطبابة في السودان تواجه مضاغطات جمة، وصعوبات شتي، تتطلب من الوسائط الصحافية والإعلامية النأي عن شخصنة قضايا الطبابة والصحة.