عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


من المؤكد أن الصحة، بالنسبة للعاملين بها، تتأثر بالبيئة والنظافة، والأمراض التي تنحصر في دول العالم الثالث هي الأمراض المنقولة
عبر الوسائط الحشرية، كالباعوض والذباب والتي تجد نفسها ترتع في بيئة ملوثة ومياه غير صالحة للشرب، مما يتطلب تكثيف الجهود،
وفقاً لخُطة علمية، بالإضافة إلى ما تتعرض له هذه الدول من سيول وفيضانات وأمطار وبرك مائية، تؤدي إلى تفجير الوضع الصحي.
وتنتشر الأمراض في أشكال وبائية تحصد الأرواح، وتذهب بمدخرات الصحة، والمال الوفير. ولقد رُزئت هذه الدول، ومنها السودان بحدود
واسعة، وهجرة متواصلة، ونزوح ولجوء إليه باستمرار، وحروب أفضت إلى الفقر.
فالإسهالات المائية التي لم تنقطع وسائط التواصل عن أخبارها وتحليل ما يحدث، وكذلك الوسائط الصحافية والإعلامية الأخرى، لم
تجد من السلطات الصحية حديثاً ينكرها أو ينفيها، بل كل ما سمعناه هو تحذيرات صحية في أشكال مختلفة، مما يؤكد وجودها، والذعر
الذي لازم هذه التصريحات ينبئ بأن كارثة قد حدثت والصمت وإلتزام السكون خلق فراغاً، كان لا بد أن يملأه أصحاب الشائعات وذوو
المرارات، والأحزاب المعارضة.
ما توفر لدينا من معلومات، أن الإسهالات المائية أنواع عديدة منتشرة طوال العام، ومعظمها حميد يستجيب للعلاج وليس كوليرا،
وحتى الأخيرة أصبحت ملازمة لشعوب الحروب في جنوب السودان وأجزاء من أثيوبيا. وبسؤالي لأحد خبراء الصحة العامة على المستوى
الاتحادي، أجاب، أن إضافة كلمة "الحاد" إلى كلمة الاسهال، تضع الإسهال في دائرة الكوليرا، فاذا ذكرنا أن المريض مصاب بإسهال مائي
حاد هذا هو الإسم الحركي للكوليرا.
فالسؤال المطروح، هل ما حدث في ولايات النيل الأزرق وسنار وكسلا هي وباء الكوليرا أم لا؟ وكم عدد الحالات؟ وما هي نسبة
الوفيات؟ بمراجعة نتائج وباء الكوليرا في منطقة آسيا (بنغلاديش وباكستان وأفغانستان)، نجد أن هذا المرض أصبح مزمناً، والوفيات قليلة.
فما هي نسبة الوفيات في ولايات السودان المتأثرة؟ وكل الذي تيسر لنا من معلومات أن الوباء قدم إلى كسلا بداية عبر التنقل من أثيوبيا ثم
انتشر وأن منطقة النيل الأزرق أيضاً متاخمة لجنوب السودان، مما يُرجح دخول المرض عبر الحدود المشتركة. ولكن كيف وصلت الحالات
إلى نهر النيل؟ إلا إذا كان هؤلاء المصابون هم من القادمين من الولايات المتأثرة.
وفي رأيي الخاص، أن انتقال الأخت سمية إدريس أُكد وزيرة الدولة بوزارة الصحة الاتحادية إلى منطقة الدمازين، حيث قضت عطلة
عيد الأضحى المبارك بين المرضى، باعتبارها خبيرة في مجال الطوارئ ومكافحة الأوبئة، فضلاً عن كونها وزيرة قد ساعد وجودها في
أن تنحسر الإسهالات وبسرعة، حسب إفادة أحد الذين عملوا في تلك المنطقة. ولعل إنتقالها إلى ولاية سنار وإشرافها على القضاء على هذا
المرض يشير أيضاً إلى نهاية قريبة في تلك الولاية.
كل المؤشرات، تؤكد أن نسبة الوفيات قليلة في منطقة النيل الأزرق وسنار، مما يشير إلى أن الإسهالات المائية هذه، إما ما هو
معروف لدى الأطباء في هذه المناطق أو إن كانت كوليرا، فهي من النوع البسيط المخفف.
ومن الضروري هنا، الإشادة بجهود وزارة الصحة الاتحادية في توفيرها معينات الخريف، التي وزعت قبل الأمطار، بحضور الأخ
حسبو محمد عبد الرحمن نائب رئيس الجمهورية في "قراند هوليدي فيلا" (الفندق الكبير)، ثم توفيرها مستلزمات مكافحة الإسهالات من
محاليل وريدية وأدوية، مما انعكس ارتياحاً على وزراء الصحة في الولايات المتأثرة.
أخلص إلى أن اهمال وزارة الصحة الاتحادية للإعلام في هذا الخصوص، إما عن قصد لإحساسها بعدم أهميته، أو لغفلة أو تخوف
أن تتأثر سمعة البلاد من النشر، فهو على كل حالٍ، أمر غير موفق لأن كثيراً من المواطنين كان يكفيهم أن يعلموا مكان انتشار المرض
وعدد المرضى والوفيات الناتجة عنه. وأنه إسهال مائي – كوليرا أو غيرها – حتى يساندوا توجه الحكومة في احتواء المرض، وتزول
موجات الخوف والذعر التي هي سمة هذه الأيام. لقد كان لتصرف بعض المسؤولين، لا سيما في الولايات المتأثرة، آثار سلبية ومضرة.
فقفل المدارس والجامعات وإرشاد المواطنين بأن يلزموا شراب الماء من ماء الزجاجات المكلفة – أمر غير موفق. واستغرب لماذا لم تأخذ
وزارة الصحة الاتحادية المبادرة، بعقد مؤتمر صحافي بهدف توضيح الحقائق وبصدق، لأن من حق المواطن أن يقف على الحقيقة، ولا
يكون فريسة للشائعات الضارة.
يبقى هنالك سؤالٌ ملحٌ، بعد هذه الأزمة، هو هل هنالك خُطة استراتيجية لمعرفة من أين أتت هذه الإسهالات؟ وهل لوزارة الصحة
الاتحادية أن تطمئن المواطن بأن هذا الأمر لن يتكرر ثانية؟!