عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كانت عطلة عيد الأضحى المبارك، من العطلات الطوال، وسانحة طيبة للمراجعة والتدبر والتفكر في ما مضى، والاستعداد لما هو آتٍ. وينبغي أن تمنح مثل هذه العطلة، دافعاً قوياً للتجديد والتجويد. ولكن قبح الله الشائعات في العيد عبر الأسافير، وللأسف نقلاً عنها في الوسائط الصحافية التي جارتها في النشر والذيوع، الا ما رحم ربي، لأنها لم تراعِ إلاً ولا ذمةً، تنتهك الأعراض التي حرم الله انتهاكها، وكأنها تروي قصص "ألف ليلة وليلة"، لا تلتزم بخُلق ديني، ولا وازع أخلاقي، ولا ضمير إنساني. والمؤلم أنها تخوض في حُرمات الناس، دون تمييز بين فقه الستر وفقه السترة، ففي الأول المسلم مأمور بستر أخيه المسلم، وأخته المسلمة، بينما في الثاني مكلفٌ بالصدع بالحق، ناشداً إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وكاشفاً المجرم، ردعاً له واتعاظاً به. فهكذا – يا هداك الله - أمضينا عطلة كدرتها الأسافير بشائعاتها، ونقلتها بعض الوسائط الصحافية مُجاراة لتلك، دون أن تلتزم بمفاهيم أخلاقيات العمل الصحافي، ومراعاة ضوابط النشر، وشرائط واشتراطات ال Public Domain وال Private Domain، وهذا ما تتعمد اغفاله أسافير الغرض والمرض، وبعضها بأسلوب فجٍ تبني عليها أحزاب ومجموعات، مواقف سياسية، ومعارضة حزبية، وهي لا تدري في مغاضبتها المنكورة، ومعارضتها المذعورة، أنها تنزع عن العمل السياسي برقع الحياء، ووازع الأخلاق.
وأحسب أنها في هذا الشأن المشين تتغافل عمداً عن تذكر قول الله تعالى في محكم آيه، وبديع بيانه: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ". ولا أحسبهم استذكروا في هذا الصدد، قول أمير الشعراء أحمد بك شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فقد عكرت الشائعات صفو أيام العيد. فالشائعة هي خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع و تُتداول بين العامة، ظناً منهم على صحتها. دائماً ما تكون هذه الأخبار شيقة و مثيرة لفضول المجتمع والباحثين و تفتقر هذه الشائعات عادةً إلى المصدر الموثوق الذي يحمل أدلة على صحة الأخبار . وتمثل هذه الشائعات جُزءاً كبيراً من المعلومات التي نتعامل معها. في احصائية أن 70% من تفاصيل المعلومة يسقط في حال تنقلنا من شخص إلى شخص حتى وصلنا الخامس أو السادس من مُتاواتري المعلومة. ومن أهداف الشائعة ومآربها ومقاصدها، تتنوع هذه الأهداف تماشياً مع مبتغيات مثيروها. فمنها ما هو ربحي (مادي) كما حدث في عام 2009 عندما تفجرت إشاعة مدوية في السعودية باحتواء مكائن الخياطة سنجر على مادة الزئبق الأحمر، مما أدى إلى وصول أسعار هذه الخُرد إلى مئات الآلاف من الريالات. ومن الشائعات أيضاً ما يكون خلفه أهداف سياسية وعادةً ما تحصل هذه الشائعات في الحروب أو في الحالات الأمنية غير الاعتيادية. وتهدف هذه الشائعات إلى تسبيب ربكة في الطرف المعني بها. كما حدث في الثورة الليبية لمعمر القذافي مثلاً عندما شاعت شائعة قوية بهروبه من ليبيا. فاضطر للتصوير من أمام سيارته ليثبت للناس أنه ما زال موجوداً في ليبيا . أيضاً اللعب واللهو هو من أهداف مُثيري الشائعات. والشائعات التي تقوم على هذا المبدأ عادةً ما تحوم حول المشاهير كوفاة لاعب أو حدوث حادث لفنانة وغيره من الشائعات. من الشائعات من يصنعها المجتمع بنفسه خصوصاً للأمور المزمع أو المترقب حدوثها، وذلك بكثرة ترديدها والسؤال عنها، تخلق شيئاً فشيئاً هذه الشائعات .
يُرجع البعض أيضاً أسباب ترديد الشائعات إلى: انعدام المعلومات، وندرة الأخبار بالنسبة للشعب، ومن هنا ينادون بضرورة تزويد الشعب بجميع الأخبار التفصيلية والدقيقة الممكنة حتى يكون على بينة مما يدور حوله من أحداث وأعمال تؤثر على حياته ومستقبله. كما أن الشائعات تنتشر بصورة أكبر في المُجتمعات غير المُتعلمة أو غير الواعية، وذلك لسهولة انطلاء الأكاذيب عليهم، وقلما يُسأل عن مصدر لتوثيق ما يُتداول من معلومات، فالمجتمع الجاهل يكون بيئة خصبة ومناسبة لإراجة الشائعات. أيضاً عدم وجود الطرف المخول بالرد على شائعة مُعينة يزيد لهيبها ويبعد عنها الشكوك والأقاويل. في الإطار نفسه، نجد أن انتشار وسائل الاتصالات الحديثة تُعد سبب مهم في انتشار الشائعات فهي تقوم بنشر كم هائل جداً من المعلومات في وقت يسير جداً، وبكل يسر وسهولة. وتؤدي مواقع التواصل الاجتماعي دوراً فاعلاً في انتشارها، كالنار في الهشيم.
ومن الضروري الإشارة هنا، الى أن الشائعات قد تضر بالأمن الوطني. لذلك تجد في بعض القوانين، ما يردع الكثير من مروجي الشائعات، باعتبارها من مهددات الأمن الوطني، إن لم يكن خطراً عليه. فالشائعات المتعلقة بالشان الصحي لا تهاون فيها مع مروجيها، لأنها تشكل أخطر مهدد أمني وطني، يتمثل في إحداث خسران مادي مبين، إضافة إلى نشر الهلع والفزع بين الشرائح المجتمعية المختلفة. وقد جربت بلادنا هذا الخطر الأمني الوطني، ولكن دون عقوبة رادعة لمروجي شائعة حدوث بعض الأمراض الفتاكة في السودان، مما أثر سلباً، وشكل خطراً أمنياً، على صادراتنا الى الخارج، ومن ثم على مواردنا من العملات الأجنبية. عليه لا ينبغي التهاون من قبل المنظومات الأمنية في قضايا الأمن الوطني، لا سيما ترويج الشائعات.
أخلص إلى أنه اتصل بي بعض الأصدقاء الخُلص، يستفسرون عن غيبة "بحصافة"، خاصة وأن هنالك وعداً مبذولاً من قبلي، في ما يتعلق بعدم ايفائي بالحلقات الموعودة عن زيارة مجموعة "أعرف بلدك" إلى دارفور، بعد عطلة العيد، لنحكي عن الجنينة، ونروي عن شرتاي زالنجي، ونغني مستصحبين فقه أبي محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري الذي جوَز سماع الأغاني والموسيقى، أُغنية الفنان الراحل خليل اسماعيل "لو زرت مرة جبل مرة"، وندندن بأغنية الفنان أبي عركي البخيت "مرسال الشوق يا الكلك ذوق"، وأعد الأخ الصديق الشرتاي جعفر عبد الحكم اسحق بأني "تاني راجع الجبل". ولما سبقني الرسيل الصديق الصادق إبراهيم الرزيقي الى نشر حلقاته عن جبل مرة، قلت للإخوة في سكرتارية صحيفة "الانتباهة"، عُذراً أني رأيت ضرورة تأجيل حلقاتي عن دارفور، بفقه التأجيل أو التأخير في الحج، للحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، وأهل السنن بإسناد صحيح: أنه قال صلى الله عليه وسلم: "أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". وكذلك أنزلت على نفسي، مقاربة لا مقارنة، أن الأخ الرزيقي سبقني بنشر حلقاته، كما سبق الصحابي عُكاشة بن محصن بن قيس بن مُرة الصحابة ببشارة الرسول صلى الله عليه وسلم له بدخول الجنة بدون حساب ولا سابقة عذاب. فأنا "تاني راجع الجبل".